هبة زووم – الرباط
لم يترك الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة تمر من دون قراءة سياسية صادمة، واضعاً صدارة حزب الأصالة والمعاصرة تحت مجهر الأسئلة المتعلقة بمفهوم الإرادة الشعبية، وبطبيعة التحالفات التي ستفرزها نتائج اقتراع 23 شتنبر.
الكنبوري، وفي تدوينة جديدة بنبرة نقدية حادة، اعتبر أن المغاربة قد يكونون أمام ما سماه “حكومة فضائح رقم 2″، معتبراً أن الحكومة المقبلة ستكون، بحسب قراءته، أكثر عرضة لانكشاف التناقضات التي طبعت المرحلة السابقة.
ويرى الباحث أن المفارقة الأساسية تكمن في كون الحزب الذي تصدر النتائج هو نفسه الذي خاض حملته الانتخابية في مواجهة حليفه السابق في الحكومة، التجمع الوطني للأحرار، ووجه إليه انتقادات واتهامات سياسية مرتبطة بتدبير المرحلة الحكومية السابقة، في وقت كان فيه الأصالة والمعاصرة شريكاً داخل الأغلبية نفسها.
وهنا يضع الكنبوري إصبعه على أحد أكثر الأسئلة إحراجاً في المشهد الجديد: كيف يتحول شريك الأمس في تدبير المرحلة الحكومية إلى خصم انتخابي، ثم يعود الطرفان مجدداً إلى طاولة الحسابات والتحالفات بعد الاقتراع؟
وتزداد حدة قراءته باستحضار واقعة طنجة، التي تفجرت يوم الاقتراع بعد توقيف شخص داخل محيط مؤسسة تضم مكتباً للتصويت، وبحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية، وهي الواقعة التي أعلنت النيابة العامة بشأنها فتح بحث قضائي لتحديد حقيقتها وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائج التحقيق.
كما أشارت تقارير إعلامية حديثة إلى تداول معطيات بشأن مذكرة بحث وطنية ودولية في حق عمدة طنجة منير الليموري على خلفية الملف، غير أن هذه النقطة تحديداً ظلت، حتى الآن، قائمة أساساً على ما نشرته مصادر إعلامية، بينما لم يظهر في المصادر الرسمية التي تم الاطلاع عليها تأكيد قضائي منشور بهذه الصيغة. ولذلك تبقى المسؤوليات الفردية والحزبية في هذه القضية رهينة بما ستكشفه الأبحاث وما ستقرره الجهات القضائية المختصة.
لكن الكنبوري لا يتوقف عند حدود الوقائع، بل ينتقل إلى السؤال السياسي الأكبر. فحصول «البام» على المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، وفق النتائج المؤقتة التي أعلنتها وزارة الداخلية، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار، يفتح مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الأغلبية الحكومية.
ومن هنا جاءت استعارة الكنبوري للمثل الشعبي: “من الخيمة خرج مايل”، في إشارة إلى أن الإشكال، في نظره، لا يرتبط فقط بخصوم الحزب أو بالشركاء السابقين، وإنما بما يعتبره تناقضات داخلية تستحق المساءلة السياسية.
الأكثر استفزازاً في تدوينته هو انتقاله من نقد الأحزاب إلى مساءلة مفهوم الإرادة الشعبية نفسه. فالكنبوري يتساءل، بلهجة ساخرة، عن معنى أن يتصدر حزب المشهد الانتخابي رغم ما يعتبره هو تناقضات وفضائح ارتبطت بالمرحلة السابقة، قبل أن يستحضر مفهوم “عقدة ستوكهولم” بوصفه استعارة سياسية عن علاقة الضحية بالجلاد.
وهو بذلك لا يقدم نتيجة علمية حول دوافع الناخبين، بقدر ما يطرح قراءة سياسية استفزازية لسلوك الناخب المغربي، مفادها أن نتائج الصناديق لا تعكس بالضرورة، في نظره، رغبة في القطيعة مع المرحلة السابقة، وإنما قد تعكس نوعاً من القبول بإعادة إنتاجها في صيغة جديدة.
وتصل التدوينة إلى أكثر نقاطها إثارة حين يستعيد الكنبوري العبارة المنسوبة إلى عزيز أخنوش حول “إعادة تربية المغاربة”، ليطرح عليها قراءة ساخرة مفادها أن السنوات الماضية ربما أنتجت، حسب تعبيره، نوعاً من «التربية السياسية» التي جعلت الناخب يتعايش مع التناقضات بدل رفضها.
لكن السؤال الذي يختم به الكنبوري تدوينته يبقى مفتوحاً: هل نحن أمام إعادة تربية سياسية للناخب، أم أمام إعادة ترتيب للمشهد السياسي فقط؟
فالنتائج الانتخابية أعطت «البام» الصدارة، لكن الصدارة وحدها لا تجيب عن سؤال الحكومة المقبلة، ولا عن شكل الأغلبية، ولا عن كيفية تعامل الحزب المتصدر مع شركائه السابقين وخصومه الانتخابيين.
وبين خطاب انتخابي يضع المسؤولية على عاتق المرحلة السابقة، ونتائج تعيد ترتيب موازين القوى، وملفات قضائية ما تزال مفتوحة، يبدو أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج، لا يوم انتهت عملية التصويت.
ذلك أن الصندوق يمنح المقاعد، لكنه لا يمنح وحده إجابات عن أسئلة المسؤولية والمحاسبة، وتدبير المرحلة السابقة، وحدود التحالفات، وما إذا كان التغيير الذي حملته النتائج سيطال السياسات أم سيقتصر على توزيع جديد لمواقع القوة داخل المشهد السياسي.
تعليقات الزوار