هبة زووم – الرباط
بعد أن طويت صفحة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، بدأ النقاش ينتقل من سؤال من تصدر النتائج؟ إلى السؤال الأكثر تعقيداً: من سيقود الحكومة المقبلة، وبأي تحالف، وبأي برنامج؟
وفي تدوينة جديدة، يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك المشهد السياسي لما بعد الانتخابات، معتبراً أن الجدل حول هوية رئيس الحكومة المقبل وطبيعة الأغلبية الحكومية لم يعد، في نظره، يحتاج إلى الكثير من التوقعات والمزايدات، لأن «المسألة عددية» بعد ظهور النتائج.
وتمنح النتائج الأولية لهذه القراءة أساساً رقمياً واضحاً: فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حقق حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً. وبما أن الأغلبية المطلقة في مجلس يضم 395 مقعداً تتطلب 198 مقعداً، فإن تشكيل الحكومة سيحتاج بالضرورة إلى ائتلاف بين عدة أحزاب.
اليحياوي يقرأ هذه المعادلة من زاوية مختلفة، إذ يرى أن أسماء الأحزاب التي ستشكل التحالف قد تتغير، وأن بعض الوجوه قد تغادر وأخرى قد تصعد، لكن المسار السياسي العام قد يبقى، في نظره، على حاله.
ويستعمل الباحث استعارة لافتة حين يشبه المشهد بحافلة “سينزل منها ركاب ويصعد ركاب”، لكنها ستواصل السير في “خطها المعتاد”.
وبعيداً عن حدة التعبير، فإن السؤال الذي يطرحه هذا التشبيه سياسي بامتياز: هل ستؤدي نتائج انتخابات 2026 إلى تغيير فعلي في طريقة إدارة السياسات العمومية، أم ستقتصر على إعادة ترتيب مكونات الأغلبية وتغيير بعض الوجوه؟
فالأرقام الانتخابية تغيرت بالفعل. حزب الأصالة والمعاصرة أصبح في صدارة النتائج، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار مقارنة بانتخابات 2021، كما تراجع الاستقلال، في حين سجل العدالة والتنمية عودة قوية. وبالتالي فإن القول إن «كل شيء بقي كما كان» لا يعكس التغيير العددي الذي أفرزته صناديق الاقتراع.
لكن اليحياوي لا يتوقف عند خريطة المقاعد، بل يوجه أنظاره إلى ما بعد التحالفات، فبالنسبة إليه، الخطر لا يكمن فقط في اسم رئيس الحكومة أو في تركيبة الأغلبية، وإنما في استمرار السياسات التي يرى أنها راكمت خلال السنوات الماضية إخفاقات واحتقانات اجتماعية.
وهنا ينتقل الباحث إلى تحذير مباشر: إذا استمرت الحكومة المقبلة، بحسب قراءته، في النهج نفسه، فإنها قد تجد نفسها أمام احتجاجات وضغوط اجتماعية متزايدة، وربما أمام أزمة سياسية يصعب التحكم في مسارها.
لكن خلف هذا التحذير توجد ملفات اجتماعية حقيقية ستجد الحكومة المقبلة نفسها مطالبة بالتعامل معها منذ اليوم الأول، وعلى رأسها التعليم والصحة والشغل والقضاء، وهي الملفات الأربعة التي يضعها الباحث في مقدمة ما يعتبره أولويات الإصلاح.
وتأتي هذه الملفات في سياق انتخابي اتسم أصلاً بضعف المشاركة؛ إذ بلغت نسبة التصويت نحو 38%، وهي من أدنى النسب المسجلة في الانتخابات التشريعية خلال العقود الأخيرة. كما أشارت تحليلات ما قبل الانتخابات إلى أن البطالة، وخصوصاً بطالة الشباب، وارتفاع كلفة المعيشة وجودة الخدمات العمومية كانت من أبرز القضايا التي شكلت خلفية الاقتراع.
ومن هنا، فإن التحدي الذي ستواجهه الحكومة المقبلة لا يتعلق فقط بالحصول على الأغلبية داخل البرلمان، وإنما أيضاً بقدرتها على استعادة الثقة خارج البرلمان، فالتحالفات يمكن أن تُبنى بالأرقام، لكن الاستقرار السياسي لا يبنى بالأرقام وحدها.
وإذا كان تشكيل الحكومة يتطلب 198 صوتاً على الأقل لتأمين أغلبية برلمانية، فإن كسب ثقة المواطن يتطلب شيئاً مختلفاً: نتائج ملموسة في المدرسة والمستشفى وسوق الشغل ومرفق العدالة، وهي ملفات لا تحسمها الحسابات الحزبية وحدها.
اليحياوي يقترح، في المقابل، سيناريو ثانياً يعتبره أقل صدامية، يتمثل في أن تبادر الحكومة منذ يومها الأول إلى الإصلاح، وأن تظهر للمواطنين، بحسب تعبيره، “الصدق والجدية”، بما قد يسمح لها بكسب قدر من التعاطف والتجاوب.
وهنا يتحول نقد الباحث إلى اختبار عملي للحكومة المقبلة: هل ستتعامل مع الولاية الجديدة باعتبارها مجرد استمرارية زمنية للحكومة السابقة، أم باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؟ فالانتخابات انتهت، والنتائج أعادت تشكيل موازين القوى داخل البرلمان. لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن.
الأغلبية الجديدة ستحتاج إلى التوافق على برنامج حكومي، وتوزيع المسؤوليات، وتحديد الأولويات، ثم تحويل تلك الأولويات إلى سياسات قابلة للقياس. كما أن تعدد الأحزاب داخل أي ائتلاف مرتقب قد يجعل الحفاظ على الانسجام الحكومي تحدياً مستمراً.
وفي هذا السياق، لا تبدو دعوة اليحياوي إلى التفكير في «سيناريو القطيعة» مجرد حديث عن تغيير حكومي، بل دعوة أوسع إلى إعادة التفكير في طريقة إنتاج النخب السياسية وفي علاقة المواطن بالمؤسسات وفي طبيعة الممارسة الحزبية نفسها.
غير أن عبارة «منظومة حكم جديدة» التي يطرحها الباحث تظل مفتوحة على أسئلة كبيرة: ما المقصود تحديداً بالقطيعة؟ هل يتعلق الأمر بتغيير الأحزاب والوجوه فقط، أم بإصلاح قواعد اشتغال المؤسسات، وآليات اختيار المرشحين، وطريقة صناعة السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ ذلك هو السؤال الذي سيظل مطروحاً بعد انتهاء ضجيج الانتخابات.
فالنتائج أعادت ترتيب المقاعد، والتحالفات ستعيد ترتيب الحكومة، لكن المواطن ينتظر شيئاً أبعد من إعادة ترتيب الكراسي، ينتظر أن يرى أثراً مباشراً في حياته اليومية.
وإذا كانت الحكومة المقبلة ستبدأ ولايتها وسط مشاركة انتخابية لم تتجاوز نحو 38%، وفي ظل عودة قوية لبعض القوى وتراجع قوى أخرى، فإن أول اختبار لها لن يكون في قدرتها على جمع الأحزاب حول طاولة واحدة، بل في قدرتها على إقناع المواطن بأن السياسة قادرة فعلاً على تغيير شيء في واقعه.
أما تحذير اليحياوي من الوصول إلى 2030 من دون تغيير جوهري، فهو في النهاية دعوة إلى فتح النقاش من الآن حول ما إذا كانت الولاية المقبلة ستشكل امتداداً للمسار السابق أم بداية مراجعة أوسع.
فالوجوه قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، لكن السؤال الذي سيحسم قيمة المرحلة المقبلة يظل بسيطاً وحاسماً: هل ستتغير السياسات أيضاً؟
تعليقات الزوار