مليارات ومشاريع و24 سنة.. من يفتح دفتر حسابات المكتب الوطني للسكك الحديدية؟

هبة زووم – الرباط
بعد قرابة ربع قرن على رأس المكتب الوطني للسكك الحديدية، يصبح الحديث عن ربيع الخليع أكبر من مجرد تقييم مسار مسؤول عمومي أو الاحتفاء بعدد المشاريع التي شهدها قطاع السكك الحديدية، فنحن أمام 24 سنة من الاستمرار في موقع استراتيجي، وهي مدة كافية ليس فقط لصناعة حصيلة، بل أيضاً، وربما أساساً، لطرح سؤال طال تأجيله: من يقيّم؟ ومن يحاسب؟ ومتى يتم تجديد النخب؟
24 سنة ليست ولاية عابرة، ولا مرحلة مؤقتة، ولا مجرد استمرارية إدارية فرضتها ظروف استثنائية، إنها فترة زمنية كاملة، تعاقبت خلالها حكومات ووزراء ومسؤولون، وتغيرت السياسات والأولويات، بينما ظل اسم واحد مرتبطاً بتدبير واحدة من أهم المؤسسات العمومية الاستراتيجية بالمملكة.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص ربيع الخليع بقدر ما يتعلق بمنطق تدبير المسؤولية العمومية في المغرب، فهل أصبحنا أمام مؤسسات تحتاج إلى التجديد والتداول وضخ دماء جديدة، أم أمام مواقع تتحول مع مرور الزمن إلى إقامات إدارية طويلة الأمد لا يغادرها المسؤول إلا بقرار استثنائي؟
المسؤولية العمومية ليست ملكية خاصة، والمنصب ليس شهادة حياة، والمؤسسة ليست فضاء مغلقاً يحتكره اسم واحد لعقدين وأكثر، مهما كانت كفاءته أو حجم المشاريع التي أشرف عليها.
لقد ضخ المغرب خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة في قطاع السكك الحديدية، وأطلق مشاريع كبرى، أبرزها مشروع القطار فائق السرعة، وهي أوراش تستحق التثمين والتقييم الموضوعي. لكن التقييم الحقيقي لا يمكن أن يتوقف عند الصور الرسمية وقص الشريط وتدشين المحطات.
أين هي الحصيلة الشاملة لـ24 سنة من التدبير؟ وماذا عن جودة الخدمات اليومية؟ وعن تأخر بعض الرحلات؟ وعن ظروف المسافرين؟ وعن أسعار التذاكر؟ وعن مردودية الاستثمارات العمومية؟ وعن الصفقات وتدبير الموارد البشرية وصيانة الشبكة وحكامة المال العام؟ فالإنجازات، مهما كانت أهميتها، لا تعفي من المساءلة، بل إن حجم الأموال العمومية المستثمرة يجعل المساءلة أكثر إلحاحاً.
المطلوب اليوم ليس محاكمة ربيع الخليع عبر الصحافة، ولا إطلاق الاتهامات المجانية، وإنما فتح نقاش مؤسساتي جدي حول منطق استمرار المسؤولين العموميين في مواقعهم لعقود طويلة.
فإذا كانت حصيلة المكتب الوطني للسكك الحديدية إيجابية، فلتُعرض للرأي العام بلغة الأرقام والمؤشرات والمقارنات. وإذا كانت هناك اختلالات أو نقائص، فمن حق المغاربة أيضاً معرفة طبيعتها، والاطلاع على كيفية تدبيرها وترتيب المسؤوليات بشأنها.
لكن ما لا يستقيم هو أن يصبح طول البقاء في المنصب أمراً عادياً، وكأن المغرب يعاني خصاصاً في الكفاءات القادرة على تحمل مسؤولية تدبير مؤسسة استراتيجية بحجم المكتب الوطني للسكك الحديدية، فـ24 سنة كافية لصناعة تجربة، لكنها كافية أيضاً لطرح سؤال التداول.
فالتجديد ليس إدانة للمسؤول السابق، والتغيير ليس اعترافاً بالفشل، بل هو جزء من الحكامة السليمة. وحتى أنجح المؤسسات في العالم لا تُبنى على فكرة المسؤول الأبدي، بل على المؤسسات القادرة على الاستمرار بمنطق الكفاءة وتكافؤ الفرص وتجديد القيادات.
واليوم، بعد قرابة ربع قرن، لم يعد السؤال فقط: ماذا أنجز ربيع الخليع؟ السؤال الأهم هو: من قيّم هذه الحصيلة؟ وبأي مؤشرات؟ ومن قرر استمرار المسؤول نفسه طوال 24 سنة؟ وهل ستبقى المؤسسة مرتبطة باسم واحد، أم أن الوقت قد حان لفتح الباب أمام مرحلة جديدة وكفاءات جديدة؟ لأن المال العام ليس ملكاً لأحد، والمؤسسات العمومية ليست إقطاعيات، والمسؤولية ليست امتيازاً أبدياً.
24 سنة على رأس مؤسسة استراتيجية ليست مناسبة للاحتفاء فقط، بل هي قبل كل شيء مناسبة للمساءلة والتقييم وطرح سؤال التداول بصوت مرتفع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد