هبة زووم – السعيدية
لم تكن السعيدية، على امتداد عقود، مجرد شاطئ يستقبل المصطافين خلال فصل الصيف، بل تحولت تدريجياً إلى واحدة من أبرز الواجهات السياحية بالجهة الشرقية، ونجحت في بناء اقتصاد موسمي يقوم على ملايين الزيارات، وعلى شبكة واسعة من الأنشطة والخدمات التي ارتبطت بشكل مباشر وغير مباشر بالحركة الصيفية.
لكن المنتجع الذي صنع جزءاً مهماً من مجد السياحة الصيفية بالشرق، يجد نفسه اليوم أمام سؤال أكبر من مجرد استقبال موسم جديد: كيف يمكن الحفاظ على جاذبيته وتجديد قدرته على المنافسة في ظل تنامي الضغط على البنيات التحتية وتغير انتظارات الزوار؟
على امتداد السنوات الماضية، عرفت السعيدية نمواً عمرانياً وسياحياً متسارعاً، انتقلت معه من فضاء محدود المساكن إلى تجمع سياحي واسع يضم مئات الفيلات والإقامات والشقق المعدة للكراء، إلى جانب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية ومختلف الأنشطة التي تنتعش بشكل لافت خلال موسم الصيف.
هذا التحول لم يكن عمرانياً فقط، بل حمل معه دينامية اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ أصبح الموسم الصيفي بالنسبة إلى عدد من الأسر مصدراً أساسياً للدخل، وفتح فرصاً مؤقتة للشباب في مجالات متعددة، من الحراسة والنظافة والنقل إلى التجارة والمطاعم وكراء المظلات والكراسي والأنشطة الترفيهية.
ويؤكد مهنيون وتجار أن شهري يوليوز وغشت يمثلان بالنسبة إلى عدد منهم ذروة السنة الاقتصادية، ما يجعل أي تراجع في أعداد المصطافين أو في مدة إقامتهم ينعكس سريعاً على مداخيلهم.
غير أن النجاح السياحي للمدينة أفرز في المقابل تحديات جديدة، فكلما ارتفع عدد الزوار، ازداد الضغط على الطرق ومواقف السيارات وشبكات التطهير والإنارة والماء والكهرباء والنظافة، وأصبحت بعض الاختلالات تتكرر مع كل موسم صيفي، بما يكشف أحياناً عن فجوة بين سرعة النمو السياحي ووتيرة تأهيل البنيات الأساسية.
وتتحول السعيدية خلال فترة قصيرة إلى مدينة ذات كثافة بشرية استثنائية مقارنة بباقي أشهر السنة، الأمر الذي يضع مرافقها وخدماتها العمومية أمام اختبار حقيقي، ويجعل التدبير الموسمي وحده أقل قدرة على مواكبة حجم الطلب.
ولعل إحدى أبرز نقاط قوة السعيدية أنها نجحت في الحفاظ على طابع سياحي مفتوح أمام مختلف الشرائح الاجتماعية، ففي المنتجع تلتقي الأسر التي تأتي لقضاء يوم واحد على الشاطئ مع عائلات تستأجر شققاً لأسابيع، كما تتجاور الفيلات الفاخرة مع السكن السياحي متوسط التكلفة، وتعيش المطاعم والمقاهي بمختلف مستوياتها إلى جانب الأسواق والأنشطة التجارية الموسمية.
هذا التنوع منح السعيدية شخصية خاصة، وجعلها وجهة عائلية وشعبية في الوقت نفسه، وساهم في استقطاب زوار من مختلف مناطق المغرب، خصوصاً خلال ذروة الصيف.
غير أن هذه الميزة نفسها تحتاج إلى حماية وتطوير، لأن الحفاظ على الطابع المفتوح للمنتجع لا يعني القبول بتراجع جودة الخدمات أو ترك الضغط الموسمي يتجاوز قدرة المدينة على الاستيعاب.
ومن أكثر الملفات التي تفرض نفسها خلال موسم الذروة مشكلة حركة السير ومواقف السيارات، فرغم المجهودات التي تبذلها السلطات المحلية لتنظيم حركة المرور والجولان، فإن حجم الوافدين خلال يوليوز وغشت يجعل الحاجة قائمة إلى تصور أكثر شمولاً، يقوم على توفير فضاءات إضافية لاستيعاب السيارات، وتحسين مسالك الولوج، وتسهيل حركة الراجلين، مع إيلاء عناية خاصة للأشخاص في وضعية إعاقة.
فالسائح لا يقيس جودة الوجهة بجمال الشاطئ وحده، بل يبدأ تقييم تجربته منذ لحظة وصوله: هل وجد مكاناً لركن سيارته؟ هل يستطيع الوصول بسهولة إلى الشاطئ؟ هل الفضاء نظيف؟ وهل الخدمات متوفرة بالقدر الكافي؟
السعيدية تمتلك واحدة من أهم نقاط القوة التي يصعب صناعتها: البحر والشريط الساحلي والموقع الجغرافي، لكن المنافسة السياحية تغيرت، فالوجهات الساحلية لم تعد تتنافس فقط على أساس جمال الطبيعة، وإنما أصبحت جودة التدبير والنظافة والتنظيم والبنيات التحتية وتنوع الخدمات عناصر حاسمة في قرار السائح.
وبالتالي، فإن المحافظة على مكانة السعيدية تقتضي الانتقال من منطق “تدبير موسم الصيف” إلى منطق التخطيط لمدينة سياحية على مدار السنة.
وهذا يعني التفكير في حلول دائمة لمواقف السيارات، وتقوية شبكات التطهير والنظافة، وتحسين الإنارة والولوجيات، وتطوير النقل والخدمات، وربط الاستثمار السياحي بحماية البيئة والحفاظ على جاذبية الشريط الساحلي.
لقد منحت الطبيعة السعيدية مقومات النجاح، وصنع المصطافون والتجار والمهنيون عبر عقود جزءاً من هويتها الاقتصادية والسياحية، لكن الرهان اليوم لم يعد فقط على عدد الوافدين خلال شهر غشت، وإنما على قدرة المدينة على الحفاظ على هؤلاء الزوار، وتشجيعهم على العودة، ورفع مدة الإقامة، وتحويل السياحة الموسمية إلى دينامية اقتصادية أكثر استدامة.
فالمطلوب ليس تغيير هوية السعيدية أو تحويلها إلى وجهة مغلقة أمام الطبقة المتوسطة والعائلات، وإنما تجديد النموذج السياحي بما يحافظ على طابعها الشعبي والعائلي ويمنحها في الوقت نفسه بنية تحتية وخدمات توازي حجم شهرتها.
وفي النهاية، فإن السعيدية لا تحتاج إلى اكتشاف البحر من جديد، بل تحتاج إلى أن تتنفس بشكل أفضل، فإذا كانت الطبيعة قد صنعت لها المجد، فإن الحكامة الجيدة والتخطيط والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية هي التي ستحدد ما إذا كانت ستحتفظ بهذا المجد خلال السنوات المقبلة، أم ستجد نفسها أمام منافسين أكثر جاهزية وقدرة على استقطاب الزوار.
تعليقات الزوار