هبة زووم – الرباط
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يعود الخطاب الانتخابي إلى الواجهة محملاً بوعود كبيرة وشعارات جذابة، وفي مقدمتها حماية القدرة الشرائية ومحاربة الفساد واقتصاد الريع، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا بقي من الوعود التي رفعتها الأحزاب نفسها خلال الانتخابات السابقة؟
الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، أعلن هذه المرة أن حزبه سيلتزم، في حال المشاركة في الحكومة المقبلة، بإحداث شركات جهوية لتوزيع المنتجات الفلاحية والمواد الغذائية بهدف تقليص عدد الوسطاء والحد من ارتفاع الأسعار، إلى جانب التعهد بإقرار قانون خاص بتضارب المصالح، والدفاع عن المدرسة العمومية والمستشفى العمومي.
وعلى مستوى الخطاب، تبدو هذه الالتزامات منسجمة مع انتظارات المواطنين الذين أنهكتهم موجات الغلاء وتراجع القدرة الشرائيةـ غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في طبيعة الوعود، بل في مصداقية من يقدمها، وفي حصيلة ما سبق أن التزم به أمام المغاربة.
فخلال الحملة الانتخابية السابقة، جعل نزار بركة من محاربة الاحتكار وإصلاح سوق المحروقات أحد أبرز عناوين خطابه السياسي، وتحدث بإسهاب عن تضارب المصالح، وقدم نفسه كأحد المدافعين عن ضرورة إصلاح الاختلالات التي يعرفها السوق الوطني، لكن بعد مشاركة حزب الاستقلال في حكومة عزيز أخنوش، خفت ذلك الخطاب تدريجياً، ولم يعد بنفس الزخم الذي رافق الحملات الانتخابية.
ولعل أكثر ما يثير التساؤلات هو أن الحزب، الذي يرفع اليوم مجدداً شعار محاربة تضارب المصالح، وجد نفسه خلال الولاية الحكومية الحالية في موقع مغاير، بعدما رفض الانخراط في مطالب سياسية وبرلمانية دعت إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ما عرف إعلامياً بقضية “فراقشية المواشي”، وهي القضية التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام، وأعادت إلى الواجهة مطالب تعزيز آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهنا تبرز المفارقة؛ فالمواطن الذي استمع بالأمس إلى وعود محاربة الاحتكار، يُطلب منه اليوم أن يثق في وعود جديدة تتعلق بمحاربة الوسطاء وخفض الأسعار، دون أن يتلقى تفسيراً واضحاً حول أسباب تعثر الالتزامات السابقة، أو تقييماً موضوعياً لما تحقق منها وما لم يتحقق.
إن الأزمة التي تواجهها الأحزاب السياسية اليوم ليست أزمة برامج، بقدر ما هي أزمة ثقة. فالمغاربة لم يعودوا يقيمون الأحزاب بما تعلنه في مقراتها أو خلال تجمعاتها، وإنما بما أنجزته وهي تمارس السلطة. ولذلك فإن أي وعد انتخابي جديد يظل رهيناً بقدرة صاحبه على تقديم حصيلة مقنعة، والإجابة عن الأسئلة التي خلفتها الوعود السابقة.
فإذا كان حزب الاستقلال يعتبر أن حماية القدرة الشرائية أولوية وطنية، فإن الرأي العام ينتظر أيضاً توضيحاً بشأن الإجراءات التي اتخذها الحزب خلال مشاركته في الحكومة لمواجهة ارتفاع الأسعار، ولماذا لم تتحول الشعارات التي رفعت سنة 2021 إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لقد تغير المزاج العام، ولم تعد الخطابات وحدها كافية لإقناع الناخبين. فالمغاربة أصبحوا أكثر ميلاً إلى محاسبة الأحزاب على أدائها داخل المؤسسات، لا على بلاغاتها الانتخابية. ومن هنا، فإن استعادة الثقة لن تمر عبر إطلاق وعود جديدة، بل عبر مصارحة المواطنين بما تحقق وما تعثر، وتقديم التزامات قابلة للقياس والمحاسبة.
وفي النهاية، يبقى الفيصل هو صندوق الاقتراع، لكن ذاكرة المواطنين أصبحت اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، وهي الذاكرة التي ستقارن بين وعود الأمس وخطابات اليوم، لتحدد ما إذا كانت الوعود الجديدة تمثل بداية مسار إصلاحي حقيقي، أم مجرد إعادة إنتاج لخطاب انتخابي يتجدد مع كل موعد انتخابي.
تعليقات الزوار