المراسل – الحسيمة
أعادت تدوينة نشرتها لبنى أمغار، القيادية السابقة في حزب الأصالة والمعاصرة والشقيقة الكبرى للمرشح البرلماني عبد الحق أمغار، النقاش حول طبيعة الخطاب الانتخابي المحلي، بعدما فتحت عباراتها الباب أمام قراءات سياسية وسوسيولوجية ناقدة لطريقة تقديم التنافس الانتخابي في منطقة الريف.
وتجاوز الجدل مضمون التدوينة المباشر، ليتحول إلى نقاش حول اللغة التي تختارها بعض النخب للتواصل مع الناخبين، وما إذا كانت العملية الانتخابية تُقدَّم باعتبارها تنافساً بين البرامج والتصورات، أم باعتبارها امتداداً لعلاقات القرابة والجيرة والانتماء المحلي.
ومن أبرز العبارات التي أثارت الانتباه قول أمغار إن “الانتخابات لا تصلح لنا بالريف”، وهي عبارة فتحت المجال أمام تأويلات متعددة، خصوصاً أنها جاءت في سياق حديث يستحضر روابط عائلية واجتماعية لتفسير طبيعة الاصطفافات الانتخابية.
ويرى منتقدو هذا النوع من الخطاب أن اختزال الانتخابات في علاقات القربى والجيرة قد يفرغها من مضمونها المؤسساتي، ويجعل المنافسة السياسية أقرب إلى اختبار للروابط الاجتماعية منها إلى مناسبة لمساءلة المرشحين حول البرامج والحصيلة والقدرة على تمثيل المواطنين.
من البرنامج إلى منطق “القربى”
ويتمثل جوهر الانتقاد في أن الانتخابات، في أصلها، ليست مناسبة لإعادة إنتاج العلاقات العائلية والاجتماعية فحسب، وإنما يفترض أن تكون لحظة لاختيار من يقدم مشروعاً واضحاً ويخضع لأسئلة الناخبين ومحاسبتهم.
ومن هذه الزاوية، فإن استحضار القرابة أو الجيرة لتبرير دعم هذا المرشح أو ذاك قد يكشف، بحسب منتقدي التدوينة، عن استمرار حضور آليات تقليدية في بناء الاختيارات السياسية، خصوصاً في البيئات التي تلعب فيها الروابط المحلية والعائلية دوراً مؤثراً.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل اختيار انتخابي تحكمه العصبية العائلية، لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود تأثيرها في المنافسة السياسية، وحول قدرة الأحزاب والمرشحين على الانتقال من منطق العلاقات الشخصية إلى منطق البرنامج والمساءلة.
“خير الأمور أوسطها” وقراءة المشهد
ولم تتوقف التدوينة عند هذا المستوى، إذ تضمنت أيضاً محاولة لتقديم المرشح عبد الحق أمغار ضمن الصورة الانتخابية المركبة، مع الاستناد إلى عبارة “خير الأمور أوسطها” في تفسير موقعه داخل المشهد البصري.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للنقاش ارتبط بطريقة التعامل مع الصورة نفسها، بعدما تم إقحام عنصر الذكاء الاصطناعي في محاولة لتفسير أو نفي بعض تفاصيل الإخراج البصري، مع التأكيد بشكل قاطع على عدم مسؤولية الكاتبة عنها.
وهنا انتقل الجدل من السياسة إلى سؤال آخر يتعلق بحدود استخدام الأدوات الرقمية في صناعة الصورة الانتخابية، وما إذا كانت هذه التقنيات تُستخدم لأغراض تقنية عابرة أم يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تقديم المرشح بصورة محسوبة بعناية.
ولا يمكن، من دون معطيات تقنية موثقة، الجزم بوجود تلاعب بصري متعمد أو القول إن الصورة صممت بهدف تلميع صورة مرشح بعينه. غير أن مجرد حضور هذا النقاش في سياق انتخابي يكفي لطرح سؤال أكبر حول العلاقة بين الصورة والرسالة والذكاء الاصطناعي في الحملات الحديثة.
أزمة خطاب أم أزمة ثقة؟
ما تكشفه هذه الواقعة، في نهاية المطاف، ليس بالضرورة أزمة تخص شخصاً بعينه، وإنما يعيد طرح سؤال أوسع حول الخطاب الانتخابي المحلي ومدى قدرته على إقناع الناخب بمنطق البرامج بدل العاطفة.
فالانتخابات في منطقة بحجم الحسيمة، بما تختزنه من ملفات تنموية واجتماعية واقتصادية وثقيلة، تحتاج إلى نقاش يتجاوز المجاملات والروابط الشخصية إلى أسئلة حقيقية حول الصحة والتعليم والتشغيل والاستثمار والبنية التحتية والحكامة وتمثيل المنطقة داخل المؤسسات.
وعندما يتم تقديم العملية الانتخابية باعتبارها مجرد شبكة من العلاقات والصداقات والقرابات، فإن ذلك قد يؤدي، بقصد أو من دون قصد، إلى إضعاف البعد المؤسساتي للعملية الديمقراطية وتحويل المنافسة من “من يملك أفضل برنامج؟” إلى “من يملك شبكة اجتماعية أقوى؟”.
الناخب أمام امتحان آخر
وربما تكمن أهمية الجدل الذي أثارته تدوينة لبنى أمغار في أنها أعادت طرح هذا السؤال في توقيت انتخابي حساس: هل المطلوب من الناخب اختيار المرشح الأقرب اجتماعياً وعائلياً، أم المرشح الأكثر قدرة على تقديم برنامج قابل للتنفيذ والدفاع عن مصالح الدائرة داخل المؤسسات؟
كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي في النقاش يضيف بعداً جديداً إلى الحملات الانتخابية، حيث لم تعد الصورة الانتخابية مجرد لقطة عابرة، وإنما أصبحت جزءاً من استراتيجية التواصل وصناعة الانطباع.
وفي جميع الأحوال، فإن الحكم النهائي لا ينبغي أن يكون للتدوينات ولا للصور، وإنما للناخب وصندوق الاقتراع. فكلما ارتفع مستوى التنافس، ارتفعت معه الحاجة إلى خطاب سياسي يحترم ذكاء المواطن، ويضع البرامج والحصيلة والمساءلة في صدارة النقاش.
وفي الحسيمة، كما في غيرها، تبقى قيمة الانتخابات في قدرتها على تحويل القرابة إلى علاقة اجتماعية، لا إلى معيار للحكم السياسي؛ وتحويل التعاطف الشخصي إلى اختيار واعٍ يستند إلى الكفاءة والبرنامج والقدرة على تحمل المسؤولية.
تعليقات الزوار