الكنبوري يفضح عبث الحملة الانتخابية: سياسيون يتهمون بعضهم بالاختلاس ثم يطلبون أصوات المغاربة!

هبة زووم – الرباط
في تدوينة سياسية لافتة، اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري أن يضع الحملة الانتخابية أمام مرآة محرجة، متوقفاً عند موجة التراشق المتواصل بين أحزاب الأغلبية، وما يتخللها من اتهامات متبادلة بالاختلاس والسرقة وسوء التدبير، في مشهد يرى فيه أن الخطير ليس فقط مضمون الاتهامات، وإنما مرورها دون أن تتحول إلى مساءلة ومحاسبة فعلية.
الكنبوري يطرح السؤال الذي يبدو غائباً وسط صخب الحملات: إذا كان السياسيون يتهمون بعضهم البعض بارتكاب اختلالات خطيرة، فلماذا لا تتحرك آليات المحاسبة؟
ويرى الباحث أن المفارقة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الاتهامات تأتي في قلب الحملة الانتخابية نفسها؛ أي في الوقت الذي يتوجه فيه هؤلاء السياسيون إلى المواطنين طالبين أصواتهم وثقتهم من أجل العودة إلى مواقع القرار. وبعبارة أكثر مباشرة، فإن المواطن يجد نفسه أمام سياسيين يتبادلون الاتهامات، ثم يطلب كل طرف منه أن يمنحه صوته لمواصلة تدبير الشأن العام.
وبالنسبة إلى الكنبوري، فإن هذا الوضع يكشف، في تقديره، عن استهتار بإرادة الناخب، لأن الاتهام بالفساد، متى كان جدياً ومدعوماً بالمعطيات، لا ينبغي أن يبقى مجرد ذخيرة انتخابية تُطلق في التجمعات والمناظرات، ثم تختفي بمجرد انتهاء الاستحقاق.
ويستحضر الكنبوري في هذا السياق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، متسائلاً عن معنى هذا المبدأ إذا كان أصحاب المسؤولية أنفسهم يتبادلون اتهامات ثقيلة دون أن ينتقل النقاش إلى المؤسسات المختصة للتحقق منها وترتيب الآثار القانونية عليها.
غير أن الباحث لا يقف عند حدود انتقاد الأحزاب، بل ينقل جزءاً من المسؤولية إلى المواطن نفسه، داعياً إلى إدراك أن الانتخابات ليست مجرد مناسبة موسمية للتصويت، وإنما الآلية التي تُنتج الحكومة والبرلمان، وتحدد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من يدير الميزانية والسياسات العمومية والقرارات التي تمس الحياة اليومية للمغاربة.
وهنا يوجه الكنبوري ضربة إلى خطاب المقاطعة غير المشروط، مؤكداً أن المواطن، سواء شارك أو قاطع، سيظل خاضعاً للقوانين والقرارات التي تنتجها المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات.
فالأسعار، والميزانية، والماء والكهرباء، والخدمات العمومية، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، كلها ملفات لا تتوقف نتائجها عند عتبة صناديق الاقتراع. ولذلك فإن الاعتقاد بأن المقاطعة تعني الانسحاب من نتائج السياسة، وفق منطق الكنبوري، وهم لا يصمد أمام الواقع.
وفي المقابل، لا يقدم الباحث الانتخابات باعتبارها عصاً سحرية للقضاء على الفساد. بل يميز بوضوح بين قدرة الصندوق على تقليص الفساد عبر تغيير موازين القوة السياسية ومحاسبة المسؤولين انتخابياً، وبين القضاء النهائي على الفساد، الذي يعتبره مرتبطاً بقرار دولة وبعمل المؤسسات وآليات الرقابة والقضاء.
وهنا تكمن الرسالة الأكثر حساسية في تدوينته: الانتخابات يمكن أن تعاقب سياسياً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل القضاء.
فإذا كانت اتهامات الاختلاس والسرقة المتبادلة مجرد اتهامات انتخابية، فإن المطلوب هو إخراجها من سوق المزايدات السياسية ووضعها أمام المؤسسات المختصة. وإذا كانت تتوفر على أساس من الوقائع والمعطيات، فالمساءلة يجب أن تكون قانونية لا انتخابية فقط.
أما المواطن، فليس مطلوباً منه أن يكون متفرجاً على هذا التراشق، ولا أن يمنح صوته بشكل آلي لمن يرفع شعاراً انتخابياً جذاباً. المطلوب أن يحول الصندوق إلى أداة تقييم ومساءلة، وأن يسأل كل مرشح: ماذا فعلت عندما كنت في موقع المسؤولية؟ ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم يتحقق؟
وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما في المشهد ليس أن يتهم السياسيون بعضهم بعضاً، وإنما أن تتحول تلك الاتهامات إلى مجرد مادة انتخابية عابرة، بينما يبقى المواطن هو من يدفع فاتورة القرارات والاختيارات والاختلالات.
فحين يعجز الخطاب السياسي عن تقديم الحصيلة، ويحل محلها تبادل الاتهامات، يصبح السؤال الحقيقي أكبر من هوية الحزب الفائز: هل نحن أمام انتخابات تنتج المحاسبة، أم أمام حملة انتخابية تنتهي بانتهاء الكلام وتبدأ بعدها فاتورة المواطن؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد