هبة زووم – الرباط
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يبدو أن سوق الوعود الانتخابية قد فتح أبوابه على مصراعيها، حيث تتسابق الأحزاب والمرشحون على تقديم عروض انتخابية تستهدف بالدرجة الأولى الجيب والقدرة الشرائية، بينما تغيب، بحسب الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، القضايا الكبرى التي يفترض أن تشكل جوهر أي نقاش سياسي جاد.
اليحياوي، وفي تدوينة جديدة تفاعلاً مع أجواء الحملة الانتخابية، اختار أن يضع ما يعتبره «اقتصاد الوعود» تحت المجهر، منتقداً مرشحين يرفعون سقف التعهدات أمام الناخبين، من الزيادة في الأجور إلى توفير السكن والدعم الاجتماعي، دون أن يواكب ذلك نقاش حقيقي حول قدرة الدولة والميزانية والسياسات العمومية على تنفيذ هذه الوعود.
ويستحضر الباحث، في هذا السياق، وعوداً انتخابية من قبيل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وتوفير شقق سكنية بأسعار منخفضة للمقبلين على الزواج، فضلاً عن مقترحات مرتبطة بالدعم الاجتماعي ومؤشراته.
وبنبرة ساخرة وحادة، يرى اليحياوي أن هذه الوعود تُرمى أمام المواطنين دون تقديم الحسابات والمعطيات التي تشرح كيفية تمويلها وتنفيذها، معتبراً أن الهدف منها، بحسب قراءته، هو استمالة الناخب من خلال احتياجاته المعيشية المباشرة.
وهنا يطرح الباحث السؤال الأكثر إحراجاً: لماذا تتحول الانتخابات إلى سباق في الوعود المرتبطة بالطعام والسكن والدخل، بينما تختفي الملفات التي تحدد مستقبل البلد؟
ففي الوقت الذي تتطاير فيه الوعود، يقول اليحياوي، لا يكاد يسمع أحد حديثاً جدياً عن أزمة التعليم، رغم الانتقادات المتواصلة التي تواجهها المدرسة المغربية ونتائج التقييمات الدولية، ولا يجد، وفق تدوينته، النقاش الصحي المكانة نفسها، رغم ما يصفه بأزمة المستشفيات العمومية واختلال الخدمات الصحية.
أما المال العام، فيرى اليحياوي أن ملف تدبيره يحتاج بدوره إلى نقاش سياسي صريح، خصوصاً في ما يتعلق بكيفية محاربة مظاهر سوء التدبير والاختلالات وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن أكثر ما يلفت في تدوينة الباحث هو الغياب شبه الكامل للديمقراطية من قاموس الحملات الانتخابية.
فاليحياوي يتساءل بسخرية: ماذا يمكن أن يقول هؤلاء المرشحون عن الديمقراطية؟ ثم يقدم تفسيره الخاص: لو كانت هناك ممارسة ديمقراطية حقيقية بالحد الأدنى، لما كان المشهد السياسي والمؤسساتي، في نظره، على الصورة التي هو عليها اليوم.
وهو بذلك ينقل النقاش من سؤال “ماذا سيمنحني المرشح؟” إلى سؤال أكثر جوهرية: أي نظام سياسي نريد؟ وأي مؤسسات نريد؟ وأي علاقة نريدها بين المواطن ومن يمثله؟
فالديمقراطية، وفق هذا الطرح، ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما هي الآلية التي تجعل المسؤول خاضعاً للمساءلة، والمنتخب مطالباً بتقديم الحساب، والمواطن قادراً على مراقبة من منحه صوته.
ويرى اليحياوي أن بعض المرشحين لا مصلحة لهم، بحسب قراءته، في تعميق الممارسة الديمقراطية، لأنها قد تفرض عليهم قواعد أكثر صرامة في الشفافية والمساءلة وتضارب المصالح. ولذلك، يقول إن الحملات الانتخابية تركز على “بطون الناس لا على وعيهم”.
وهذه العبارة تختزل، في نظره، جوهر الإشكال: هل الانتخابات مناسبة لإقناع المواطن ببرنامج سياسي متكامل، أم مجرد موسم لاستثمار حاجاته الاقتصادية والاجتماعية وتحويلها إلى أصوات انتخابية؟
فالناخب الذي يعاني من الغلاء والبطالة وارتفاع كلفة السكن والخدمات قد يكون أكثر قابلية للاستماع إلى وعد مباشر بزيادة الأجر أو الحصول على سكن أو تحسين الدعم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحاجات المشروعة إلى أدوات لاستمالة الناخب دون نقاش جدي حول السياسات التي أنتجت الوضع القائم أصلاً.
والأخطر أن بعض الوعود، مهما بدت جذابة، لا يمكن تقييمها انتخابياً من دون طرح أسئلة بسيطة: كم ستكلف؟ من سيمولها؟ متى ستنفذ؟ وما الآليات القانونية والمؤسساتية لتنزيلها؟ وماذا حدث للوعود السابقة التي قُدمت في انتخابات ماضية؟
إن الديمقراطية لا تعني أن يقول السياسي للمواطن ما يريد سماعه، بل أن يضع أمامه الحقيقة كاملة، حتى عندما تكون هذه الحقيقة غير مريحة.
ولهذا، فإن المعركة الانتخابية الحقيقية لا ينبغي أن تكون حول من يَعِد بأكثر، وإنما حول من يستطيع أن يقدم حصيلة موثقة، وبرنامجاً قابلاً للتنفيذ، وأرقاماً واضحة، والتزاماً سياسياً قابلاً للمحاسبة.
اليحياوي، من خلال تدوينته، يوجه بذلك ضربة إلى منطق انتخابي يرى أن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر الجيب والمعدة فقط، متسائلاً ضمنياً: ماذا لو خوطب المواطن باعتباره مواطناً يمتلك وعياً سياسياً، وليس مجرد صوت انتخابي يبحث عن منفعة عاجلة؟
فالمواطن يحتاج إلى الأجر والسكن والدعم، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى مدرسة جيدة، ومستشفى يحترم كرامته، وقضاء مستقل وفعال، وإدارة منصفة، ومال عام يخضع للمراقبة، ومؤسسات ديمقراطية تتيح له محاسبة من يحكم باسمه.
وبينما تتنافس الأحزاب في رفع سقف الوعود، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: لماذا لا يتنافسون بالقدر نفسه في تقديم كشف حساب عن الماضي، والدفاع عن ديمقراطية حقيقية، وتقديم حلول واقعية لأزمات التعليم والصحة والمال العام؟
لأن المواطن قد ينسى وعداً انتخابياً، وقد يقتنع بزيادة مؤقتة في الدخل، لكنه في النهاية سيظل يعيش داخل الدولة التي تصنعها المؤسسات والسياسات، لا داخل الدولة التي ترسمها الملصقات الانتخابية.
وهنا تبلغ تدوينة اليحياوي ذروتها النقدية: حين يصبح هدف الحملة هو الوصول إلى بطون الناس بدل مخاطبة وعيهم، فإن الانتخابات تخاطر بأن تتحول من لحظة للاختيار الديمقراطي إلى موسم لتسويق الأوهام.
تعليقات الزوار