هبة زووم – بركان
قبل أن تنطلق الحملة الانتخابية رسمياً، يبدو أن بعض مناطق إقليم بركان بدأت تعيش، وفق معطيات متداولة محلياً، على وقع تحركات ليلية مثيرة للريبة، تعيد إلى الواجهة واحداً من أخطر الأمراض التي ظلت تنخر الجسد الانتخابي بالمغرب: المال السياسي وسماسرة الأصوات وبرلمانيون لا يتذكرون المواطنين إلا عندما تقترب ساعة الحسم.
فهل بدأت فعلاً، قبل انطلاق الحملة، عملية استمالة الناخبين والوسطاء المحليين؟ ومن يقف وراء التحركات التي يجري الحديث عنها في عدد من مناطق الإقليم؟ وهل تتحرك الجهات المختصة للتحقق من هذه المعطيات، أم أن الأمر سيظل مجرد حديث في الكواليس إلى أن تنتهي الانتخابات ويبدأ الجميع في البحث عن مبررات جديدة؟
المعطيات المتداولة تتحدث عن تحركات لبرلماني بالإقليم في عدد من المناطق، وعن حديث يدور حول مبالغ مالية تصل، بحسب ما يتم تداوله، إلى 10 آلاف درهم لاستمالة أشخاص يملكون تأثيراً على مجموعة من الناخبين، مقابل ضمان الدعم وتوجيه الأصوات لفائدة مرشح معين.
وإذا كانت هذه المعطيات مجرد إشاعات، فإن من واجب الجهات المعنية توضيح الحقيقة ووضع حد للتأويلات، أما إذا ثبت أن وراءها وقائع حقيقية، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل انتخابي عابر، بل بشبهة خطيرة تمس نزاهة العملية الانتخابية وتحول الديمقراطية إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء.
الأخطر في المشهد أن المواطن البركاني لم يعد، في كثير من الحالات، ينظر إلى بعض ممثليه باعتبارهم أصواتاً دائمة تدافع عن قضاياه، بل أصبح يتحدث بمرارة عن “برلمانيي الدقيقة تسعين”؛ أولئك الذين يغيبون سنوات عن ملفات الصحة والبنيات التحتية والتعمير والتشغيل، ثم يعودون فجأة إلى الأحياء والدواوير عندما تبدأ رائحة الانتخابات في الانتشار.
خمس سنوات من الولاية الانتدابية تمر، وتبقى أسئلة كثيرة معلقة: أين كان الترافع الحقيقي عن مستشفيات الإقليم؟ أين كانت المعركة من أجل الطرق والمرافق والتشغيل؟ أين كانت الأصوات التي يفترض أن تصل إلى قبة البرلمان حاملة مشاكل السكان؟ ثم فجأة، وقبيل الانتخابات، تتحول المناطق المنسية إلى وجهة للزيارات واللقاءات والولائم والوعود.
وهنا تظهر فئة أخرى لا تقل خطورة عن السياسي الموسمي: سماسرة المواسم الانتخابية، أشخاص يختفون طوال السنوات، لا أثر لهم في الدفاع عن قضايا السكان، ولا وجود لهم في الاحتجاجات أو المبادرات الاجتماعية أو النقاش العمومي، لكنهم يظهرون فجأة عندما تصبح السياسة موسماً للمصالح. يتحدثون باسم المجتمع المدني أحياناً، وباسم النضال أحياناً أخرى، بينما لا يبحث بعضهم سوى عن موقع أو منفعة أو مقابل مادي.
المشكلة ليست في أن يدعم مواطن مرشحاً يقتنع به، فهذا حق مشروع ومكفول. المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى سمسرة، وعندما تصبح القدرة على التأثير في الناخبين سلعة لها ثمن، وحين تتحول الثقة إلى أوراق نقدية.
إن أخطر ما يمكن أن يقع في أي استحقاق انتخابي هو أن يفقد المواطن ثقته في أن صوته قادر على صناعة الفرق. فعندما يسمع المواطن عن المال والولائم والوسطاء والوعود مقابل الأصوات، فإنه لا يرى انتخابات، بل يرى سوقاً سياسياً يدخلها أصحاب النفوذ والمال ويخرج منها المواطن أكثر إحباطاً.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه اليوم إلى السلطات المختصة ليس: من سيفوز في بركان؟ بل: هل ستتم حماية إرادة الناخب من كل أشكال الاستغلال والاستمالة والضغط؟
فالمطلوب فتح أعين الرقابة قبل أن تفتح صناديق الاقتراع. والتحقق من كل المعطيات المتداولة، دون استهداف أو انتقائية، ودون حماية لأي اسم أو جهة.
أما المواطن البركاني، فهو في حاجة إلى ممثل يراه طوال خمس سنوات، لا إلى مرشح يكتشف فجأة أن الدواوير موجودة وأن الفقراء لهم مطالب وأن الشباب لهم أحلام، فقط عندما تصبح أصواتهم مطلوبة.
لقد سئم الناس من السياسي الذي يختفي بعد الانتخابات، ومن الوسيط الذي يظهر قبلها، ومن «الفاعل الجمعوي» الذي لا يصبح غيوراً على الوطن إلا عندما تبدأ حسابات المقعد.
الانتخابات ليست مناسبة لتوزيع الأموال، ولا موسماً للولائم، ولا سوقاً لشراء النفوذ المحلي. إنها امتحان حقيقي للأحزاب والمرشحين والسلطات والمواطنين معاً.
وإذا كان هناك من يراهن على شراء الأصوات، فإن الخطر الأكبر ليس فقط في نجاحه أو فشله، بل في الرسالة التي يبعثها إلى المجتمع: أن السياسة يمكن شراؤها، وأن إرادة المواطن لها ثمن.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن تُخاض قبل الانتخابات: معركة تنظيف المجال السياسي من سماسرة المواسم، وبرلمانيي الدقيقة تسعين، وكل من يعتقد أن الفقر والحاجة يمكن تحويلهما إلى رصيد انتخابي.
فبركان لا تحتاج إلى مزيد من الوجوه التي تظهر عند اقتراب صناديق الاقتراع وتختفي بعد إعلان النتائج، بل تحتاج إلى ممثلين يعرفون أن المقعد البرلماني ليس غنيمة، وأن الناخب ليس رقماً، وأن السياسة، قبل كل شيء، مسؤولية ومحاسبة.
تعليقات الزوار