انقطاع الماء يفجّر غضب السكان ومكتب حمان يضحك على دقون السطاتيين ببلاغات تدعو إلى ترشيد الاستهلاك

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في سطات، يبدو أن الماء قرر أن يدخل بدوره في عطلة غير معلنة، تاركاً وراءه صنابير صامتة وأسرًا تبحث عن قطرة، وبلاغات رسمية تحاول إقناع العطشان بأن عليه فقط أن “يرشد استهلاكه”.
عاد ملف التزويد بالماء الصالح للشرب إلى الواجهة بمدينة سطات، في ظل شكايات متداولة بشأن اضطرابات وانقطاعات في هذه الخدمة الحيوية، وسط غضب متزايد وتساؤلات مشروعة حول الأسباب الحقيقية لهذا الارتباك، وحول مدى جاهزية الجهة المكلفة بالتدبير للتعامل مع مثل هذه الحالات.
والغريب في الأمر، وفق المعطيات المتداولة، أن الانقطاع لا يرتبط بالضرورة بالجفاف أو بظرف مناخي استثنائي، وإنما يأتي في سياق أشغال مرتبطة بتثبيت مضخات جديدة ورفع الصبيب.
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية التي يصعب على المواطن ابتلاعها: كيف يمكن لمشروع هدفه تقوية التزويد بالماء أن ينتهي، ولو مؤقتاً، إلى إضعاف التزويد أو انقطاعه؟
قد تكون الأشغال التقنية ضرورية، وقد تكون عمليات الربط والتقوية جزءاً من تطوير الشبكة، وهذا أمر مفهوم، لكن ما يحتاج إلى تفسير هو غياب الحلول البديلة عندما يعلم المسؤولون مسبقاً أن الأشغال قد تؤدي إلى انخفاض الضغط أو انقطاع المياه.
هل كان من المستحيل توفير مخزون احتياطي؟ هل كان بالإمكان اعتماد برنامج مرحلي للأشغال؟ هل تمت تهيئة صهاريج أو نقاط مؤقتة للتزويد؟ وهل تم إخبار السكان مسبقاً بمدة الانقطاع بشكل واضح ودقيق؟
هذه ليست ترفاً من المواطنين، وإنما أسئلة ترتبط بأبسط قواعد تدبير المرافق الحيوية، فالساكن الذي يفتح الصنبور فيجد الهواء لا يعنيه كثيراً اسم المشروع ولا نوع المضخة ولا تفاصيل الأشغال. ما يعنيه ببساطة هو: هل يوجد ماء أم لا؟ ومتى سيعود؟
وفي خضم الأزمة، يصبح البلاغ الإداري أكثر استفزازاً عندما يدعو المواطنين إلى ترشيد استهلاك الماء”، ترشيد ماذا بالضبط؟ هل يُطلب من المواطن ترشيد ماء غير موجود أصلاً؟ هل المطلوب أن تقسم الأسرة قطرة واحدة على أفرادها؟ أم أن المواطن مطالب بأن يتعامل مع الصنبور كما يتعامل مع جهاز إنذار: يفتحه كل ساعة، ثم ينتظر معجزة؟
السخرية هنا ليست من الماء ولا من الظروف التقنية، بل من فجوة التواصل بين لغة الإدارة وتجربة المواطن، فعندما تقول الشركة إن الأشغال متواصلة وإن الضغط قد ينخفض إلى درجة الانقطاع، فإن المواطن لا يحتاج إلى صياغة تقنية باردة، بل يحتاج إلى أجوبة عملية: متى سيبدأ الانقطاع؟ كم سيستمر؟ ما المناطق المعنية؟ ما البدائل المتاحة؟ ومن يتكفل بالأسر التي لا تستطيع تدبير حاجياتها الأساسية؟
الماء ليس خدمة هامشية يمكن تأجيلها إلى حين انتهاء الأشغال، إنه شرط أساسي للحياة، وأي اضطراب واسع في التزويد به يستوجب تدبيراً استثنائياً يضع حاجيات السكان أولاً.
والأخطر من الانقطاع نفسه هو أن يتحول الانقطاع إلى أمر عادي، وأن يصبح المواطن مطالباً بالتأقلم مع غياب الخدمة بدل أن تكون الإدارة مطالبة بضمانها.
في سطات، لا يحتاج المواطن إلى أنهار الأمازون ولا إلى ينابيع أسطورية، يريد فقط ماءً صالحاً للشرب، ليملأ كأسه، ويغسل وجهه، ويقضي حاجاته اليومية بكرامة.
أما أن يجد نفسه مضطراً للبحث عن الآبار أو مصادر بديلة، أو الانتظار أمام الصنابير، أو تغيير عاداته اليومية بسبب عطب أو أشغال كان يفترض أن تكون محسوبة سلفاً، فهنا يصبح السؤال مشروعاً حول جودة التخطيط والاستباق.
والحديث عن مكتب حمان في هذا السياق لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات، بل إلى سؤال مؤسساتي واضح: من يتحمل مسؤولية التخطيط لتفادي اضطرابات الخدمة؟ ومن يراقب تنفيذ الأشغال؟ ومن يضمن ألا يدفع المواطن ثمن أخطاء البرمجة أو ضعف التنسيق؟
فالنجاح في تدبير مرفق الماء لا يقاس بعدد المضخات التي تم تركيبها، ولا بعدد البلاغات التي تم إصدارها، وإنما بمدى وصول الماء إلى المواطن في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة.
وإذا كانت الأشغال الحالية ستؤدي في النهاية إلى تحسين الشبكة ورفع قدرتها على الاستجابة لحاجيات المدينة، فهذا أمر ينبغي تثمينه. لكن التنمية لا تعني أن يدفع المواطن ثمن المستقبل من كرامته في الحاضر.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط انتظار عودة الماء، بل تقديم تقييم واضح لما وقع: لماذا حدث الانقطاع؟ هل كان متوقعاً؟ ما التدابير التي اتخذت لتقليص آثاره؟ وهل ستُتخذ إجراءات تمنع تكراره؟ أما الاختباء خلف البلاغات، فلن يروي عطش أحد.
لقد آن الأوان لكي تفهم المؤسسات المكلفة بالماء أن المواطن لا يريد لغة تقنية معقدة ولا وعوداً فضفاضة؛ يريد ماءً في الصنبور، ومعلومة صريحة، ومسؤولاً يتحمل مسؤوليته.
فالوطن لا يُبنى بالملاعب والمشاريع الكبرى فقط، بل أيضاً بالشبكات التي تحمل الماء إلى البيوت، ولا تقاس قوة الحكامة بحجم المشاريع التي تُعلن، وإنما بقدرتها على حماية المواطن من أبسط أشكال المعاناة.
وفي سطات، السؤال اليوم ليس فقط: متى سيعود الماء؟ السؤال الأهم هو: لماذا وصل الأمر إلى الانقطاع أصلاً، وهل كان بالإمكان تفاديه؟ لأن المواطن قد يتفهم الأشغال، وقد يصبر على الإصلاح، لكنه لن يتفهم بسهولة أن يتحول غياب التخطيط إلى عطش، وأن تتحول البلاغات إلى بديل عن الماء.
فالقطرة التي تصل إلى المواطن في موعدها أبلغ من ألف بلاغ، والحكامة التي تمنع الأزمة قبل وقوعها أفضل بكثير من إدارة الأزمة بعد أن يجف الصنبور.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد