هبة زووم – سطات
مع اقتراب موعد الدخول المدرسي بإقليم سطات، تعود إلى الواجهة مجموعة من الأسئلة المرتبطة بتدبير الموارد البشرية والخريطة المدرسية، وهي أسئلة لا تبدو جديدة بالنسبة إلى نساء ورجال التعليم، لكنها تكتسب في كل موسم دراسي جديد أهمية أكبر، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على استقرار المؤسسات التعليمية وجودة الخدمات المقدمة للتلاميذ.
فالتعيينات والحركات وإعادة الانتشار لا ينبغي أن تكون مجرد عمليات إدارية تُنجز داخل المكاتب، وإنما قرارات يفترض أن تستند إلى معطيات دقيقة وموضوعية، وأن تعكس الحاجيات الحقيقية للمؤسسات التعليمية بمختلف مناطق الإقليم.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين يوجد الخصاص؟ وأين يوجد الفائض؟ ومن يحدد الحاجيات؟ وعلى أي أساس يتم تقرير وجهة الأستاذ؟ وهل تعكس الخريطة المدرسية فعلاً الواقع الميداني، أم أن جزءاً منها لا يزال مجرد أرقام وجداول يتم ترتيبها بعيداً عن حقيقة ما يجري داخل الأقسام؟
من أكثر المفارقات التي تثير التساؤلات في تدبير الموارد البشرية التعليمية أن تسجل بعض المؤسسات خصاصاً في الأطر، في الوقت الذي تصنف فيه مؤسسات أخرى ضمن خانة الفائض.
وقد يكون هذا الوضع، من الناحية التقنية، مرتبطاً بتوزيع أعداد التلاميذ، والتخصصات، وبنية المؤسسات، وحاجيات كل وحدة تربوية، وهو ما يجعل الأمر في حاجة إلى قراءة دقيقة للمعطيات وليس إلى أحكام جاهزة.
لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الفرق بين ما تقوله الأرقام وما يعيشه الميدان كبيراً إلى درجة تثير علامات استفهام لدى الأساتذة والأطر الإدارية والفاعلين التربويين.
فالأستاذ الذي يجد نفسه مصنفاً ضمن الفائض لا يتعامل مع رقم في جدول، وإنما مع قرار قد يفرض عليه تغيير المؤسسة أو التنقل أو إعادة ترتيب وضعه المهني والاجتماعي. وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تعاني فعلياً من الخصاص لا يمكنها انتظار الحلول إلى ما بعد انطلاق الدراسة، لأن المتضرر الأول في هذه الحالة هو التلميذ.
الخريطة المدرسية ليست مجرد عملية حسابية، وليست خانات يتم ملؤها على شاشة الحاسوب. إنها في جوهرها صورة دقيقة للمدرسة العمومية، بما تضمه من تلاميذ وأساتذة وأقسام ومؤسسات.
ولهذا فإن أي تدبير جدي للموارد البشرية يحتاج إلى النزول إلى الميدان، ومعاينة حقيقة الوضع داخل المؤسسات، ومقارنة الأرقام الرسمية بالواقع الفعلي، والاستماع إلى مختلف المتدخلين قبل اتخاذ القرارات التي تهم مستقبل الموسم الدراسي.
فالقرار الإداري الذي يبدو منطقياً على الورق قد تكون له نتائج مختلفة تماماً عندما يصل إلى مؤسسة تعاني من خصاص فعلي، أو إلى أستاذ يجد نفسه مطالباً بالانتقال بناءً على معطيات يرى أنها لا تعكس حقيقة الوضع.
وفي الوقت الذي كانت فيه التعيينات الأخيرة بوزارة التربية الوطنية تحمل، في نظر كثيرين، رهانات مرتبطة بتجديد دماء الإدارة وتحسين الأداء والرفع من المردودية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الأسماء فقط، وإنما في قدرة المسؤولين الجدد على تغيير طرق التدبير نفسها.
فالمدير الإقليمي، باعتباره المسؤول الأول عن تنزيل السياسة التعليمية على المستوى الترابي، يجد نفسه اليوم أمام امتحان حقيقي: هل يستطيع الانتقال من تدبير الملفات اليومية إلى بناء حكامة تعليمية تقوم على الشفافية والإنصات والاستباق؟
وهل يستطيع أن يضع حداً لكل الممارسات التي قد تثير شبهة المحاباة أو الزبونية، إن ثبت وجودها، وأن يضمن أن القرارات المتعلقة بالموارد البشرية تُتخذ وفق معايير واضحة وقابلة للتفسير والدفاع عنها؟
الحديث عن المحسوبية والزبونية داخل أي إدارة عمومية ليس اتهاماً جاهزاً، ولا يجوز أن يتحول إلى حكم مسبق في غياب أدلة ومعطيات موثوقة. لكنه في المقابل يظل سؤالاً مشروعاً عندما تتكرر الشكايات أو تتضارب المعطيات أو يشعر موظفون بأن القرارات لا تخضع دائماً لمعايير موحدة.
وهنا تبرز أهمية الشفافية: كلما كانت معايير توزيع الموارد البشرية واضحة، وكلما أمكن تفسير القرار الإداري بناءً على معطيات موضوعية، تراجعت مساحة الشكوك والتأويلات.
فالعدالة الإدارية لا تعني فقط اتخاذ القرار الصحيح، وإنما تعني أيضاً أن يعرف المعنيون بالقرار لماذا اتُخذ، وما هي المعايير التي استند إليها، وكيف يمكنهم الاعتراض عليه أو طلب مراجعته وفق المساطر القانونية.
المطلوب اليوم ليس انتظار بداية كل موسم دراسي للبحث عن حلول للخصاص والفائض، ثم الدخول في سباق مع الزمن لمعالجة الاختلالات، المطلوب هو الانتقال من منطق “نطفيو العافية ملي تشعل” إلى منطق التخطيط الاستباقي.
وهذا يعني قراءة تطور أعداد التلاميذ، واستشراف الحاجيات المستقبلية، ورصد المناطق التي تعرف توسعاً عمرانياً وديموغرافياً، وتتبع تطور البنيات المدرسية والتخصصات، وربط كل ذلك بسياسة واضحة لتدبير الموارد البشرية.
فالمؤسسة التعليمية التي تعرف ارتفاعاً مستمراً في أعداد التلاميذ لا ينبغي أن تنتظر حتى يظهر الخصاص لكي تبدأ الإدارة في التحرك، كما أن تصنيف مؤسسة ضمن الفائض ينبغي أن يكون مبنياً على معطيات قابلة للتحقق والمراجعة.
وتزداد أهمية التواصل بالنسبة إلى الأساتذة الجدد، الذين يلجون المنظومة التعليمية وهم في حاجة إلى المعلومة الدقيقة والتأطير والتوجيه، وليس فقط إلى قرار تعيين يحمل اسم المؤسسة.
فالانتقال من مرحلة التكوين إلى الممارسة المهنية يفرض توفير شروط واضحة تساعد الأستاذ الجديد على فهم قواعد تدبير الموارد البشرية والمساطر الإدارية، حتى لا يجد نفسه أمام قرارات لا يعرف خلفياتها أو معاييرها.
وكلما كانت الإدارة واضحة في تواصلها، تقلصت مساحة الإشاعات والتأويلات، وأصبح الأستاذ شريكاً في إنجاح الدخول المدرسي بدل أن يتحول إلى طرف ينتظر القرارات من دون معرفة منطقها.
اليوم، لا يبدو الرهان مقتصراً على إنجاح الدخول المدرسي في موعده، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء نموذج محلي في تدبير الشأن التعليمي يقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة والإنصات إلى الميدان.
وإذا كانت هناك فعلاً اختلالات أو ممارسات غير سليمة في تدبير الموارد البشرية، فإن أفضل طريقة لمواجهتها ليست الاتهامات المتبادلة، وإنما فتح الباب أمام التدقيق، والتحقق من المعطيات، والاستماع إلى المتضررين، ونشر المعايير التي تحكم القرارات الإدارية.
فوراء كل خانة في الخريطة المدرسية أستاذ، ووراء كل أستاذ قسم، ووراء كل قسم عشرات التلاميذ الذين ينتظرون أستاذهم في أول يوم من الدراسة.
وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الحقيقي للمدير الإقليمي للتعليم بسطات: ليس فقط في تدبير الدخول المدرسي، وإنما في إثبات أن زمن التدبير الغامض قد انتهى، وأن المدرسة العمومية لا مكان فيها للمحسوبية أو الزبونية أو القرارات التي لا يمكن تفسيرها بمعايير واضحة.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس فقط: هل ستنجح المؤسسات التعليمية في تجاوز الدخول المدرسي؟ بل أيضاً: هل ستنجح الإدارة الإقليمية في استعادة ثقة نساء ورجال التعليم، وإقناعهم بأن معيار الكفاءة والحاجة والمصلحة التعليمية هو وحده الذي يصنع القرار؟*
تعليقات الزوار