هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تفاعلاً مع أجواء الانتخابات التشريعية المرتقبة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لفتح واحد من أكثر الملفات إحراجاً للأحزاب المشكلة للحكومة، ويتعلق الأمر بالسؤال البسيط الذي يفترض أن يسبق أي حملة انتخابية: ماذا أنجزتم خلال الولاية الحكومية المنتهية؟
اليحياوي انطلق من قاعدة تبدو بديهية في الديمقراطيات التي تحترم منطق المسؤولية السياسية، ومفادها أن الحكومة، عند انتهاء ولايتها، يفترض أن تقدم للرأي العام حصيلة واضحة، دقيقة وموثقة، بالأرقام والمعطيات، قطاعاً بقطاع، حتى يكون الناخب أمام صورة حقيقية عن الأداء الحكومي، قبل أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع ليقرر ما إذا كان سيجدد الثقة أو يمنحها لبديل آخر.
غير أن الباحث يرى أن هذا المنطق يغيب، أو على الأقل لا يظهر بالوضوح المطلوب، في الخطاب الانتخابي المبكر لبعض الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية. فبدل أن تنزل هذه الأحزاب إلى الساحة السياسية وهي تحمل حصيلة ولايتها وتقول للناخبين: هذه وعودنا السابقة، وهذا ما أنجزناه منها، وهذا ما أخفقنا في تحقيقه، يلاحظ اليحياوي أنها تعود إلى تقديم وعود جديدة، وكأنها لم تكن يوماً في موقع المسؤولية، ولم تكن طرفاً في تدبير الشأن العام خلال السنوات الماضية.
وبلغة نقدية لاذعة، يختصر اليحياوي المشهد في معادلة سياسية تقوم على أن “الوعد يغطي على الوعد والخطاب يغطي على الخطاب”، في وقت يدرك فيه السياسي، بحسب قراءته، أن تقديم الوعد لا يعني بالضرورة الالتزام بتنفيذه، وأن الكلفة السياسية للوعد تبقى محدودة ما لم يكن هناك حساب انتخابي حقيقي على أساس مدى احترام التعهدات السابقة.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن لحزب كان في الحكومة طوال خمس سنوات أن يطلب من المواطن ثقته من جديد، دون أن يضع أمامه حصيلة السنوات التي قضاها في السلطة؟
ففي المنطق الديمقراطي، لا ينبغي أن تكون الانتخابات مناسبة لإعادة تدوير الشعارات، بل لحظة للمحاسبة السياسية. والناخب لا يفترض أن يختار فقط بناء على ما يسمعه من وعود مستقبلية، وإنما أيضاً بناء على ما عاشه وعاينه خلال الولاية السابقة.
ويرى اليحياوي أن ارتفاع سقف الوعود قد يتحول إلى سباق انتخابي تكون فيه الأفضلية لمن يقدم العرض الأكثر إغراءً، حتى لو كان تنفيذ بعض تلك الوعود صعباً أو مستحيلاً. وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين الخطاب الانتخابي والمسؤولية السياسية: هل يكفي أن يعد السياسي، أم أن عليه أولاً أن يقدم الحساب عما أنجزه؟
لكن تدوينة اليحياوي لا تتوقف عند حدود البرامج والوعود، بل تنتقل إلى سؤال أكثر حدة يتعلق بالمسؤولية عن السنوات الخمس الماضية. إذ يتساءل: من يتحمل مسؤولية ما تعرض له المواطنون خلال هذه الولاية؟ ومن يحاسب الوزراء والنواب عن ممارساتهم وقراراتهم وخطاباتهم؟
ويذهب الباحث إلى طرح أسئلة أكثر ثقلاً حول العلاقة بين المواطن وبعض المسؤولين والمنتخبين، مستحضراً ما يصفه بشعور العجز الذي انتاب فئات من المواطنين وهم يعاينون، بحسب تعبيره، وزراء ونواباً تعاملوا معهم بأساليب اتسمت بالإهانة أو التضييق، بينما ظل المواطن عاجزاً عن تحويل غضبه إلى محاسبة سياسية فعلية.
وهنا تكمن، في نظر اليحياوي، إحدى أكبر أزمات المشهد السياسي: كثرة التشخيص مقابل غياب التشخيص الذي يقود إلى العلة الحقيقية.
فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست فقط في الوعود التي تقدم خلال الحملات الانتخابية، وإنما في غياب آلية سياسية ومجتمعية تجعل السياسي مطالباً فعلاً بتقديم كشف حساب عن تدبيره السابق. فإذا كان الحزب قد أمضى خمس سنوات في الحكومة، فالأصل أن يدخل المنافسة الجديدة بحصيلة واضحة، لا بذاكرة انتخابية مثقوبة تمحو ما سبق بمجرد بدء موسم جديد للوعود.
والسؤال الذي تفرضه هذه القراءة اليوم ليس فقط: ماذا ستقدم الأحزاب للناخبين خلال الولاية المقبلة؟ بل قبل ذلك: ماذا قدمت خلال الولاية المنتهية؟ وما الذي تحقق من وعودها السابقة؟ وما الذي فشل؟ ومن يتحمل مسؤولية الفشل؟
ذلك أن الديمقراطية لا تستقيم بمجرد وجود صناديق اقتراع، وإنما تحتاج أيضاً إلى ناخب قادر على المقارنة، وسياسي مستعد لتقديم الحساب، ومؤسسات قادرة على ترتيب المسؤوليات. أما أن يتحول كل استحقاق انتخابي إلى نقطة صفر جديدة، تبدأ معها الوعود وكأن شيئاً لم يحدث، فذلك يفرغ مبدأ المحاسبة السياسية من جزء أساسي من مضمونه.
وفي انتظار انطلاق الحملات الانتخابية رسمياً، يبدو أن السؤال الأكثر إزعاجاً للأحزاب الحكومية لن يكون بالضرورة: ماذا ستفعلون غداً؟، بل سيكون أكثر بساطة وإحراجاً: ماذا فعلتم أمس؟
تعليقات الزوار