هبة زووم – الرباط
واصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، في تدوينة جديدة، تشريح واقع الانتخابات التشريعية المقبلة، وهذه المرة من زاوية أكثر حساسية، تتعلق ببيع الأصوات وشراء الذمم، محملاً جزءاً من المسؤولية للناخب الذي يقبل، بحسب توصيفه، بتحويل صوته إلى سلعة مقابل بضع مئات من الدراهم.
اليحياوي لم يوجه سهامه هذه المرة إلى المرشحين وحدهم، بل اختار أن يضع الناخب أمام المرآة، معتبراً أن من يقبل بـ200 درهم مقابل التصويت لهذا المرشح أو ذاك يكون قد تخلى، حسب تعبيره، عن قيم المروءة والنخوة والاعتداد بالنفس.
ويرى الباحث أن الخطورة لا تكمن في قيمة المبلغ، وإنما في المبدأ نفسه: أن يقبل المواطن مقايضة صوته بشخص يعرف مسبقاً أنه لا يستحق ثقته، ثم يعود بعد الانتخابات ليطالب بالطريق والمدرسة والمستشفى والعدل والإدارة المنصفة.
وبلغة شديدة القسوة، يتساءل اليحياوي عن معنى أن يبيع المواطن صوته مقابل مبلغ زهيد لشخص يصفه بأنه «شفار قمار»، معتبراً أن المرشح الذي يشتري الأصوات يتصرف بانتهازية وأنانية وانعدام للضمير، لكن المسؤولية، في نظره، لا تتوقف عنده.
ويقول الباحث إن المرشح قد لا يكون موضع عتاب عندما يتصرف بمنطق الانتهازية، لكن “العيب، كل العيب”، بحسب تعبيره، في المواطن الذي يقبل بالمقايضة، لأنه لا يدرك، وفق القراءة التي تقدمها التدوينة، أنه لا يبيع ورقة انتخابية فحسب، وإنما يساهم في إفراغ صوته من قيمته وتحويل حقه الدستوري إلى سلعة انتخابية.
وهنا يطرح اليحياوي واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في المشهد الانتخابي: المواطن يبيع صوته اليوم مقابل مبلغ محدود، ثم يعود غداً ليحتج على غياب البنية التحتية والخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية والإدارة المنصفة.
بمعنى آخر، فإن الطريق التي لم تُنجز، والمدرسة التي لا تستجيب للحاجيات، والمستشفى الذي يعاني من الخصاص، والإدارة التي يشكو المواطن من تعاملها معه، كلها تتحول إلى جزء من فاتورة اختيار سياسي سبق أن ساهم الناخب نفسه في صنعه، وفق منطق التدوينة.
لكن اليحياوي لا يعفي الدولة من المسؤولية، إذ يؤكد أن الإدارة، بما يملكه جهازها الترابي من شبكة واسعة تضم المقدمين والشيوخ ورؤساء المقاطعات وغيرهم، تعرف، بحسب تعبيره، “من يعطي ومن يتسلم”.
ويذهب إلى أن الدولة تعرف هذه الممارسات “حق المعرفة”، لكنه يتساءل عن أسباب التغاضي عنها، معتبراً أن الأمر يجري، وفق قراءته، وكأن السلطة لا تريد التدخل في “سوق انتخابي” يصبح فيه البقاء للأقوى مالياً، وبالتالي للأقرب إلى دوائر النفوذ.
وهنا ينتقل النقاش من مسؤولية الأفراد إلى مسؤولية المؤسسات: إذا كانت مظاهر شراء الأصوات معروفة ومتداولة، فمن يراقب؟ ومن يمنع؟ ومن يحاسب؟
فلا معنى، وفق هذا المنطق، للحديث عن نزاهة الانتخابات إذا ظل المال قادراً على تحويل المنافسة السياسية إلى سوق، وتحويل الناخب إلى زبون، والمقعد البرلماني إلى استثمار انتخابي.
اليحياوي يعتبر أن استمرار المال غير المشروع في إنتاج ممثلين داخل البرلمان من أخطر ما يمكن أن يصيب العملية الديمقراطية، منتقداً، بعبارات جارحة، نوعية بعض من يصلون إلى المؤسسة التشريعية عبر هذه الآليات.
ويضع الباحث يده على مفارقة أخرى: قد يستطيع المواطن تحمل الحديث عن تزوير الانتخابات “على الورق”، لكنه، بحسب تعبيره، لا يستطيع تحمل حقيقة أن يصبح هو نفسه مشاركاً في تزوير إرادته السياسية.
وهذه النقطة تحديداً تجعل تدوينة اليحياوي تتجاوز الإدانة التقليدية للمرشح الذي يشتري الأصوات، لتطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل يمكن بناء انتخابات نزيهة إذا كان جزء من الناخبين مستعداً لبيع أصواتهم، وجزء من المرشحين مستعداً لشرائها، وجزء من المؤسسات يكتفي بالمراقبة؟
إن أخطر ما في شراء الأصوات ليس فقط أن مرشحاً يفوز بطريقة غير مشروعة، وإنما أن المواطن نفسه يساهم في إنتاج النتيجة التي سيشتكي منها لاحقاً.
فالصوت الانتخابي ليس مبلغاً من المال يُقبض مرة واحدة، وإنما قرار يمتد أثره إلى سنوات من التشريع والتدبير والرقابة وتوزيع الموارد العمومية.
ولهذا، فإن بيع الصوت مقابل 200 درهم قد يبدو للبعض مكسباً سريعاً، لكنه قد يتحول، وفق المنطق الذي تطرحه التدوينة، إلى خسارة طويلة الأمد عندما يصبح الثمن هو ضعف الخدمات، وغياب التنمية، واستمرار الفشل في تدبير الشأن العام.
وفي ختام تدوينته، يترك اليحياوي سؤالاً شديد الدلالة: “هل رأيتم بلداً بات الكل فيه مع الكل ضد الكل؟”، سؤال يلخص، في نظره، حالة سياسية واجتماعية اختلطت فيها المسؤوليات، وأصبح فيها الناخب غاضباً من المنتخب، والمنتخب متكئاً على الناخب، والدولة تعرف ما يجري، فيما يستمر المال في لعب دوره داخل سوق الانتخابات.
وفي انتظار الاستحقاقات المقبلة، يبقى السؤال الحقيقي أكبر من مجرد: من سيفوز؟ السؤال هو: بأي مال سيصل؟ وبأي أصوات؟ وهل سيذهب الناخب إلى صندوق الاقتراع ليختار ممثله، أم ليبيع قراره السياسي بثمن بخس ثم يقضي السنوات التالية في الشكوى من نتائج اختياره؟
فحين يتحول الصوت إلى سلعة، لا يعود الخطر في المرشح وحده، بل في منظومة انتخابية كاملة يصبح فيها المال قادراً على شراء الطريق إلى البرلمان، بينما يدفع المواطن لاحقاً ثمن الصفقة من مستقبله وحقوقه.
تعليقات الزوار