هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واجهة النقاش حول الانتخابات التشريعية المقبلة، وهذه المرة من بوابة ما يجري في منطقة الغرب، حيث اختار أن يسلط الضوء على الوعود الانتخابية التي تُوزع، بحسب توصيفه، بسخاء يفوق حتى قدرة الدولة نفسها، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة المال الانتخابي، واستغلال حاجة الناخبين، وجدوى الوعود التي تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وفي تدوينة حادة، تحدث اليحياوي عن أحد المرشحين للانتخابات التشريعية القادمة بالمنطقة، متهماً إياه بتوزيع الوعود على السكان “كما لو أن تحت يديه مالية الدولة”، قبل أن يكشف عن وعد انتخابي لافت يتمثل في رفع الدعم من 500 درهم إلى 5000 درهم، في حال تمكن المرشح وحزبه من الوصول إلى الحكومة.
وحسب رواية اليحياوي، فإن المرشح لم يقدم هذا الوعد باعتباره مجرد شعار انتخابي، بل تحدث عن مبلغ يصل إلى عشرة أضعاف الدعم الاجتماعي الحالي، قبل أن يتراجع، وفق التدوينة نفسها، عندما واجهه المواطنون بالسخرية والاستغراب، لينتقل من الحديث عن صرف المبلغ شهرياً إلى اقتراح تقسيمه على دفعات.
ويرى اليحياوي أن هذه الواقعة تختزل، في نظره، جانباً من طبيعة الخطاب الانتخابي الذي يسبق الاستحقاقات، حيث تصبح الوعود مفتوحة على كل الاحتمالات، حتى عندما تتجاوز منطق الإمكانات الواقعية للدولة والبرامج الحكومية.
لكن الباحث لم يتوقف عند حدود الوعد الانتخابي، بل أضاف معطيات خطيرة بشأن المرشح نفسه، إذ تحدث عن وجود “متابعات وأحكام قضائية لا تقع تحت حصر”، كما أشار إلى أن ملف ترشيحه قد لا يُقبل في عمالة سيدي قاسم، قبل أن يفتح احتمالاً آخر يتمثل في قبول ترشيحه وفوزه وتحوله من جديد إلى “نائب عن الأمة”.
وتبقى هذه المعطيات، كما وردت في تدوينة اليحياوي، مرتبطة بتوصيفه وروايته الخاصة، وتحتاج إلى التحقق من الجهات والمؤسسات المختصة، خصوصاً أن الحديث عن الوضعية القانونية لمرشح انتخابي يقتضي الدقة والاحتكام إلى المعطيات الرسمية والأحكام القضائية النهائية.
غير أن الرسالة الأساسية في تدوينة اليحياوي تتجاوز شخص المرشح، لتطال المشهد الانتخابي برمته في منطقة الغرب، حيث يقول الباحث إنه لا ينتظر خيراً “لا منه ولا من غيره”، معتبراً أن السكان خبروا، على امتداد عقود، الوجوه نفسها والوعود نفسها والنتائج نفسها.
وبعبارة أكثر قسوة، يصف اليحياوي عدداً من الفاعلين الانتخابيين، وفق تجربته وقراءته للمشهد، بأنهم «مجرد فراقشية أو مشاريع فراقشية»، في توصيف يعكس مستوى الاحتقان الذي بات يطبع نظرته إلى النخب التي تتنافس على مقاعد البرلمان.
والأخطر في التدوينة أن اليحياوي لا يتحدث فقط عن المرشحين، بل يلفت الانتباه إلى شبكة المساندين المحليين التي تتحرك خلفهم داخل الدواوير والمناطق القروية، مستحضراً، على سبيل المثال، شخصاً يقول إنه يعرفه شخصياً ويعمل ممثلاً لأحد المرشحين و”عرّابه” في أحد الدواوير القريبة منه، واصفاً إياه بأنه “تاجر حمير”.
وبغض النظر عن هذا التوصيف الشخصي، فإن الإشارة تكشف، في منطق التدوينة، عن طبيعة الشبكات المحلية التي يمكن أن تتحول خلال الحملات الانتخابية إلى أدوات لاستمالة الناخبين وحشد الأصوات، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا تعود إلى الواجهة معضلة قديمة جديدة: ماذا يتبقى من البرامج السياسية عندما تتحول الانتخابات إلى سباق في الوعود، ومن يملك القدرة الأكبر على الإنفاق والاستقطاب؟
فالناخب الذي يسمع وعوداً بمبالغ خيالية، ثم يكتشف بعد الانتخابات أن الواقع مختلف تماماً، يجد نفسه أمام أزمة ثقة لا تعالجها الحملات الانتخابية ولا الشعارات الموسمية.
ومن هذه الزاوية، تبدو تدوينة اليحياوي بمثابة تشريح قاسٍ لمشهد انتخابي لا تزال فيه الحاجة الاجتماعية، بحسب قراءته، قابلة للاستثمار السياسي، فيما تظل الوعود الانتخابية أكبر من البرامج، وأحياناً أكبر من الإمكانات المالية للدولة نفسها.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع الاستحقاقات التشريعية المقبلة أن تفرض قواعد جديدة للترشح والحملة والتمويل والمساءلة، أم أن الغرب سيعيش مرة أخرى السيناريو نفسه، بوجوه جديدة أو قديمة، ووعود أكبر، ثم انتظار خمس سنوات أخرى؟
ذلك أن الديمقراطية لا تُختزل في الوصول إلى صندوق الاقتراع، ولا في عدد الأصوات التي يحصل عليها المرشح، وإنما في قدرة الناخب على اختيار من يثق به، ثم محاسبته عندما يتحول الوعد إلى مسؤولية.
أما عندما يصبح الوعد الانتخابي سلعة موسمية، والناخب مجرد هدف للحملة، والمرشح مشروعَ مستفيد من المقعد، فإن الخطر لا يعود في مرشح بعينه، بل في منظومة انتخابية كاملة تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يصنع فرقاً.
تعليقات الزوار