هبة زووم – الرباط
عاد الجدل حول تدبير ملف دعم القطيع واستيراد الأغنام إلى الواجهة، بعدما قدم عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، رواية جديدة حول الجهات التي أشرفت على العملية، وذلك بعد يوم واحد من تصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بشأن حدود مسؤوليته في هذا الملف.
أخنوش، الذي كان يتحدث خلال تجمع خطابي بإقليم الخميسات، اليوم الجمعة، أكد أن وزارات الداخلية والفلاحة والمالية شاركت في عملية إحصاء ومراقبة القطيع، بهدف تحديد أعداد الأغنام المستحقة للدعم وضمان وصول الأموال إلى الفئات المعنية.
وبحسب رئيس الحكومة، فقد بدأت العملية من تسجيل المربين وإحصاء أعداد الأغنام التي بحوزتهم، قبل تحديد قيمة الدعم المستحق لكل مستفيد، في مسار يفترض أن يكون خاضعاً للتتبع والمراقبة والتدقيق.
تصريحات أخنوش تأتي في سياق سياسي حساس، خصوصاً بعد توضيحات فوزي لقجع الذي شدد، في معرض رده على الانتقادات الموجهة إليه، على أن رصد الاعتمادات المالية لا يعني أن قطاع الميزانية يتولى بشكل مباشر تنفيذ البرامج أو اختيار المستفيدين أو تدبير عمليات استيراد الأغنام.
وإذا كان لقجع قد حاول، من خلال تصريحاته، تحديد المسؤولية المرتبطة بقطاع الميزانية، فإن حديث أخنوش أعاد توزيع خريطة المسؤوليات بشكل أوضح، حين وضع ثلاث وزارات في قلب عملية الإحصاء والتتبع وتحديد المستفيدين.
وفي رده على منتقدي العملية، قال أخنوش إن البعض يحاول تقديم نفسه باعتباره بطلاً من خلال مهاجمة البرنامج، معتبراً أن وجود اختلالات أو خروقات في بعض الحالات لا يعني بالضرورة فشل السياسة الحكومية برمتها.
غير أن هذه النقطة تحديداً تفتح باباً واسعاً للنقاش، لأن الاعتراف بوجود اختلالات، ولو كانت محدودة، يفترض بالمقابل تحديد طبيعتها وحجمها والجهات المسؤولة عنها، ثم الكشف عن الإجراءات التي اتخذت لتصحيحها واسترجاع أي أموال صرفت دون وجه حق، إن ثبت ذلك.
أما تبرير القرار بالسياق الاستثنائي، فقد شدد رئيس الحكومة على أن سنوات الجفاف المتتالية فرضت تدابير غير اعتيادية، بهدف الحفاظ على القطيع الوطني وضمان توفير الأضاحي للمغاربة.
وكشف أخنوش أن العملية مكنت من دخول حوالي 800 ألف رأس من الأغنام، فيما استفاد، وفق المعطيات التي قدمها، نحو مليون و200 ألف مربٍ للأغنام من برنامج الدعم.
لكن هذه الأرقام الكبيرة لا تنهي الجدل، بل ترفع سقف الأسئلة حول كيفية تدبير البرنامج، ومعايير الاستفادة منه، وكيفية التحقق من أعداد القطيع، ومدى تطابق الدعم المرصود مع عدد الرؤوس الحقيقية التي كانت بحوزة كل مربٍ.
كما أن الحديث عن وصول الدعم إلى المواطنين والكسابة لا يعفي من ضرورة تقديم حساب دقيق حول الكلفة الإجمالية للبرنامج، وحول النتائج التي تحققت فعلياً مقارنة بالأهداف التي أعلنتها الحكومة.
وفي ما يتعلق بالمبادرات البرلمانية الرامية إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد الأغنام، جدد أخنوش استعداد الحكومة لتقديم المعطيات والتوضيحات، مؤكداً أن الوزراء المعنيين، بمن فيهم وزير المالية ووزير الداخلية، يمكنهم الحضور للإجابة عن الأسئلة المطروحة.
وهنا تحديداً يبدو أن الكرة أصبحت في ملعب المؤسسات الرقابية والبرلمان، لأن ملفاً بهذا الحجم المالي والسياسي لا ينبغي أن يحسمه السجال الإعلامي بين المسؤولين، ولا تبادل التصريحات والاتهامات، وإنما ينبغي أن تحسمه الوثائق والأرقام وعمليات التدقيق.
فإذا كانت الحكومة تؤكد أن الدعم وصل إلى مستحقيه، وأن القطيع الوطني تمت المحافظة عليه، فإن تقديم المعطيات التفصيلية للرأي العام سيشكل أفضل رد على الانتقادات. أما إذا كانت هناك اختلالات، فإن كشفها وتحديد المسؤوليات بشأنها سيعزز، بدل أن يضعف، منطق المحاسبة المؤسساتية.
وفي انتظار استكمال النقاش البرلماني، يظل السؤال المركزي قائماً: من اتخذ القرار؟ من حدد المستفيدين؟ من راقب التنفيذ؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تظهر اختلالات؟
فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى تأكيدات بأن الدعم وصل، وإنما يحتاجون إلى معرفة كيف صُرف المال العام، ولمن وصل، وبأي معايير، وما الذي حققه البرنامج فعلياً للقطيع الوطني وللقدرة الشرائية للمواطن.
وفي النهاية، فإن ملف الأضاحي لم يعد مجرد نقاش حول الأغنام، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على تقديم حساب سياسي وإداري واضح لقرار كلف الدولة أموالاً عمومية مهمة، وعلى تحويل لغة التصريحات إلى معطيات قابلة للتدقيق والمساءلة.
تعليقات الزوار