من سوق الجملة إلى المجزرة.. المجلس الأعلى للحسابات يضع تدبير مرافق إنزكان تحت المجهر

هبة زووم – إنزكان
لم تعد الملاحظات التي أوردها المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدبير عدد من الملفات المرتبطة بجماعة إنزكان مجرد تفاصيل تقنية متفرقة يمكن تجاوزها دون نقاش.
فبعدما أثيرت ملاحظات بشأن استغلال أجزاء من الطرق العمومية وأملاك مرتبطة بالملك العام وتسوية بعض الوضعيات العقارية، تبرز اليوم معطيات أخرى أكثر حساسية، تتعلق بتدبير مرافق جماعية وبكيفية إبرام عقود استغلالها وتمديدها وشروط المنافسة المرتبطة بها.
المعطيات الواردة في التقرير تضع أمام الرأي العام جملة من الأسئلة حول تكافؤ الفرص، وفعالية المنافسة، وحماية موارد الجماعة، ومدى تحقيق أفضل عائد ممكن من استغلال مرافق ذات قيمة اقتصادية واجتماعية.
والأهم أن النقاش لا يتعلق فقط بالشركات التي فازت بطلبات العروض، وإنما بالمسار الكامل للعملية: كيف صيغت الشروط؟ من كان قادراً على المشاركة؟ كيف حُددت واجبات الاستغلال؟ ولماذا امتدت بعض العقود عبر ملحقات إضافية لسنوات؟
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة عندما توضع إلى جانب الملاحظات الأخرى التي سبق أن ارتبطت بتدبير بعض جوانب الملك العمومي بمدينة إنزكان.
فإذا كان تدبير الملك الجماعي يفترض حماية ممتلكات الجماعة وضمان الاستفادة منها وفق قواعد الشفافية والنجاعة، فإن المرافق الجماعية الاقتصادية لا تقل حساسية، لأنها تمثل موارد محتملة للجماعة، وفي الوقت نفسه فضاءات تؤثر بشكل مباشر في النشاط التجاري والمهني المحلي.
وبالتالي، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حدود معرفة المستفيد من عقد معين، وإنما يمتد إلى مدى سلامة المسار الذي أفضى إلى هذا الاستغلال، ومدى حفاظه على مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص.
ومن بين أكثر المعطيات إثارة للانتباه ما يرتبط بمحاضر طلبات العروض الخاصة بعدد من المرافق الجماعية، وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، أظهر التدقيق تكرار حضور ثلاث شركات رئيسية في عدد كبير من الصفقات، مع الإشارة إلى أن ملكية هذه الشركات تعود إلى أفراد من عائلة واحدة وشركائهم.
وهنا تقتضي المسؤولية الصحفية التمييز بين أمرين، فتكرار فوز شركات معينة بالصفقات لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود تواطؤ أو مخالفة، ما لم تثبت ذلك الجهات المختصة بناء على وثائق ومعطيات دقيقة.
لكن تكرار المستفيدين يظل، في المقابل، معطى مشروعاً لطرح سؤال حول طبيعة المنافسة التي شهدتها هذه العمليات، ومدى اتساع دائرة المتنافسين فعلياً.
ففتح باب طلب العروض من الناحية الشكلية لا يكفي وحده لإثبات وجود منافسة قوية؛ إذ يظل السؤال مرتبطاً أيضاً بعدد المشاركين، وشروط التأهل، وطبيعة العروض المقدمة، والفارق بين العرض الفائز وباقي العروض.
ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً تلك المتعلقة بدفاتر التحملات وأنظمة الاستشارة الخاصة باستغلال بعض المرافق.
فالمعطيات المنشورة بشأن التقرير تشير إلى تضمين بعض العمليات شروطاً مالية، من بينها إلزام المتنافسين بإيداع شيك مضمون يغطي مبلغاً يعادل كامل الإيجار السنوي، وهي مبالغ يمكن أن تكون مرتفعة بالنسبة لعدد من المقاولات والمستثمرين.
وهنا لا يكفي طرح سؤال حول مدى وجود السند القانوني للشرط، بل تبرز مسألة أخرى أكثر ارتباطاً بجوهر المنافسة: هل كانت شروط المشاركة متناسبة مع طبيعة المرفق والهدف من طلب العروض، أم أنها كانت من الصعوبة بحيث قلصت عملياً عدد القادرين على الدخول في المنافسة؟
فالهدف من طلب العروض ليس فقط اختيار مستغل قادر على الوفاء بالتزاماته المالية، وإنما تحقيق أكبر قدر ممكن من المنافسة للوصول إلى العرض الأكثر ملاءمة لمصلحة الجماعة.
لكن ربما يكون الرقم الأكثر إثارة في هذا الملف هو تسجيل 31 ملحقاً إضافياً من أصل 53 عقد إيجار، وفق المعطيات الواردة في التقرير، فالرقم، في حد ذاته، يفرض سؤالاً حول مدى تحول التمديد من إجراء استثنائي تفرضه ظروف محددة إلى ممارسة متكررة تستوجب تفسيراً دقيقاً.
فكل تمديد لعقد له مبرراته وشروطه، لكن عندما تتكرر الملاحق على نطاق واسع، يصبح من المشروع الانتقال من سؤال: لماذا مُدد هذا العقد؟ إلى سؤال أوسع: لماذا أصبحت تمديدات العقود ظاهرة متكررة في تدبير هذه المرافق؟
والسؤال يصبح أكثر حساسية عندما يؤدي التمديد إلى استمرار استغلال مرفق جماعي دون العودة إلى منافسة جديدة يمكن أن تتيح فرصاً أمام مستثمرين آخرين.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع المعطيات التي تشير إلى استفادة بعض الشركات من فترات إضافية في الاستغلال امتدت لأكثر من ست سنوات، بموجب الملاحق الإضافية.
وإذا تأكدت هذه المعطيات من خلال العقود والوثائق الرسمية، فإن الأمر يستوجب نقاشاً جدياً حول حدود التمديد، والمبررات التي استندت إليها الجماعة، ومدى انسجام هذه الممارسة مع القواعد المؤطرة لتدبير واستغلال المرافق الجماعية.
فالعقد محدد المدة بطبيعته، والمنافسة مرتبطة بمدة وشروط محددة، بينما يؤدي التمديد إلى تأجيل لحظة إعادة فتح المجال أمام متنافسين آخرين.
ومن هنا يبرز سؤال الحكامة: متى يكون تمديد العقد ضرورة لحماية مصلحة الجماعة، ومتى يتحول إلى وسيلة لإبقاء مرفق عمومي خارج المنافسة لفترة أطول؟
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى طبيعة المرافق التي تشملها هذه العقود، ومن بينها سوق الجملة للخضر والفواكه، والمجزرة، وسوق المواشي وغيرها من المرافق ذات النشاط الاقتصادي المباشر.
فهذه المرافق لا تمثل مجرد بنايات أو فضاءات قابلة للإيجار، إنها مرتبطة بسلاسل تجارية ومهنية، وبحركة اقتصادية يومية، وبمداخيل يمكن أن تشكل مورداً مهماً للجماعة، فضلاً عن ارتباطها بمصالح عدد كبير من المهنيين والمواطنين.
ولهذا، فإن طريقة تدبيرها يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والنجاعة، لأن أي ضعف في المنافسة أو اختلال في شروط الاستغلال قد تكون له انعكاسات تتجاوز العقد نفسه إلى الاقتصاد المحلي وموارد الجماعة.
ومن بين الملفات التي تستحق تدقيقاً أكبر تلك المرتبطة بحالات عدم جدوى بعض طلبات العروض، ثم إعادة النظر في بعض الشروط أو القيم المالية قبل إعادة إسناد المرفق.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن حسمه إلا بالوثائق: هل أدت إعادة ضبط الشروط إلى توسيع المنافسة فعلاً، أم أن العملية انتهت في بعض الحالات إلى نتيجة قريبة من النتيجة الأولى؟
الإجابة لا يمكن أن تكون بالتخمين، بل تحتاج إلى وضع دفتر التحملات الأصلي، ومحاضر فتح الأظرفة، ولائحة المشاركين، والعروض المالية، وقرار الإسناد، والعقد الأصلي، ثم الملاحق اللاحقة جنباً إلى جنب.
عندها فقط يمكن للرأي العام أن يعرف كيف تطورت العملية، وكيف تغيرت الشروط، وما إذا كانت مصلحة الجماعة قد ظلت في صلب القرار، والسؤال المالي هنا لا يقل أهمية عن السؤال القانوني، فالمرفق الجماعي ليس مجرد أصل يتم تسليمه للمستغل، وإنما مورد يمكن أن يساهم في تمويل الخدمات المحلية.
لذلك، فإن تقييم العقود لا ينبغي أن ينحصر في مدى احترام الإجراءات الشكلية، بل يجب أن يمتد إلى سؤال النجاعة: هل حصلت الجماعة على أفضل مقابل مالي ممكن؟ وإذا كان الجواب نعم، فما هي المعطيات التي تثبت ذلك؟ وإذا كان الجواب غير محسوم، فلماذا لم تتم إعادة فتح المنافسة في الآجال المناسبة؟ إنها أسئلة لا تستهدف شركة بعينها، بقدر ما تستهدف طريقة تدبير مورد من موارد الجماعة.
ومن المهم التأكيد على أن ملاحظات أجهزة الرقابة لا تعني تلقائياً ثبوت مسؤولية جنائية أو وجود تواطؤ أو فساد، لكنها، في الوقت نفسه، ليست مجرد ملاحظات يمكن وضعها على الرف.
فالملاحظات الرقابية يفترض أن تشكل مدخلاً لتصحيح الاختلالات، وتعزيز الشفافية، وتحسين تدبير المال والملك العموميين، وتوضيح كل نقطة تثير تساؤلات لدى الرأي العام.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إطلاق اتهامات مجانية ضد منتخبين أو موظفين أو شركات، وإنما فتح الوثائق أمام التدقيق والمساءلة المؤسساتية.
وأمام هذه المعطيات، تظل مجموعة من الأسئلة مطروحة: كم بلغت القيمة الإجمالية للعقود الأصلية؟ كم بلغت قيمة المبالغ الناتجة عن الملاحق والتمديدات؟ لماذا تكررت استفادة شركات بعينها من عدد من المرافق؟ كم شركة شاركت فعلياً في كل طلب عروض؟ هل كانت شروط المشاركة متاحة بشكل متكافئ لجميع المتنافسين؟ ما المبررات التي استندت إليها الجماعة في تمديد العقود؟ لماذا بلغ عدد الملاحق 31 ملحقاً من أصل 53 عقد إيجار؟ ما هي المدة الإجمالية لبعض التمديدات؟ وهل كان بإمكان إعادة فتح المنافسة أن تحقق مداخيل أفضل للجماعة؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى سجال سياسي، بل إلى وثائق.
وبين تدبير الملك العمومي من جهة، واستغلال المرافق الجماعية والصفقات المرتبطة بها من جهة أخرى، يبدو أن جماعة إنزكان أمام ملف يستحق نقاشاً مؤسساتياً واضحاً حول الحكامة، والمنافسة، وحماية الموارد الجماعية.
فالقضية ليست في نهاية المطاف قضية شركة واحدة، ولا عقد واحد، ولا ملحق منفرد، القضية الأوسع هي معرفة ما إذا كانت المرافق الجماعية تُدار وفق منطق يضمن المنافسة المفتوحة وتكافؤ الفرص وتعظيم موارد الجماعة، أم أن تكرار الأسماء والتمديدات قد يؤدي، ولو من دون قصد، إلى تضييق دائرة المستفيدين من هذه المرافق.
وإذا كانت المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات تستوجب التوضيح، فإن أفضل جواب لن يكون بالبلاغات أو النفي العام، وإنما بإخراج الوثائق والأرقام إلى العلن.
ففي ملفات المال والملك العموميين، الشفافية لا تعني فقط احترام المساطر، بل القدرة على إقناع المواطن بأن كل قرار اتخذ فعلاً لصالح المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد