هبة زووم – سطات
يبدو أن سوق الجملة للخضر والفواكه بسطات دخل مرحلة جديدة من شد الحبل، بعدما لوّح بعض التجار بتنظيم وقفة احتجاجية أمام السوق، تحت عنوان يبدو في ظاهره دفاعاً عن “رفع المداخيل”، بينما تطرح خلفية هذا التحرك أسئلة أكثر إلحاحاً حول حقيقة الدوافع، وحول من يتحمل فعلاً مسؤولية حماية مداخيل الجماعة وصيانة المال العام.
فمن المفارقات التي تستحق التوقف عندها أن يتحول شعار رفع مداخيل الجماعة إلى عنوان للاحتجاج، في الوقت الذي تشير فيه المعطيات المتداولة إلى وجود متأخرات مالية وكرائية عالقة في ذمة بعض مستغلي السوق.
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة: كيف يمكن لمن لم يؤد ما بذمته أن يقدم نفسه طرفاً مدافعاً عن تنمية مداخيل الجماعة؟
من يريد رفع المداخيل.. فليبدأ بأداء ما عليه
رفع مداخيل الجماعة لا يبدأ بالشعارات، ولا بمحاولة فرض هذا المراقب أو ذاك، ولا بتحويل السوق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
الطريق الأكثر وضوحاً يبدأ من تحصيل المستحقات القانونية، وضبط الاستغلال، ومراقبة الأداءات، وتطبيق بنود العقود والدفاتر والتحملات على الجميع دون استثناء.
وإذا كانت هناك فعلاً متأخرات بمبالغ كبيرة، فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في خلاف حول الأشخاص أو المراقبين، بل يجب أن تتحول إلى سؤال مؤسساتي واضح: من أدى؟ ومن لم يؤد؟ وكم تبلغ المستحقات المتراكمة؟ وما الإجراءات التي اتخذت لتحصيلها؟
وتزداد المفارقة حدة عندما تشير المعطيات إلى أن متأخرات أحد المستغلين تجاوزت 400 ألف درهم، وهو رقم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل عابر، إذا ما تأكدت هذه المعطيات بالوثائق الرسمية.
هل الخلاف حول “المداخيل” أم حول من يراقب السوق؟
السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: لماذا يتحول النقاش إلى احتجاج عندما يتعلق الأمر بتشديد المراقبة أو إعادة تنظيم السوق؟
فإذا كان الهدف فعلاً هو حماية مصالح التجار ورفع مداخيل الجماعة، فلا شيء يمنع من الاحتكام إلى القانون والوثائق والحسابات.
أما أن يتحول اختيار المراقب أو طبيعة آليات المراقبة إلى قضية تستدعي التلويح بالاحتجاج، فهنا يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الخلاف يتعلق فعلاً بالمصلحة العامة، أم بمن يمتلك مفاتيح تدبير بعض تفاصيل السوق.
فـالمراقبة ليست ملكاً للتجار، والسوق ليس ضيعة خاصة، ومداخيل الجماعة ليست موضوعاً للمساومة.
السلطة تتحسب لسيناريو الإرباك
وفي المقابل، يبدو أن السلطات الإقليمية والمحلية تعاملت مع احتمال حدوث أي اضطراب في تموين السوق بمنطق استباقي، من خلال تأمين تزويد خارجي بالخضر والفواكه، تحسباً لأي اختلال قد يمس السوق الداخلي.
وهذه الخطوة، في حال تأكدت، تطرح بدورها رسالة واضحة: تموين المواطنين خط أحمر، ولا يمكن أن يصبح رهينة لأي خلاف أو ضغط داخل سوق الجملة.
فالمصلحة العامة لا تتوقف عند أبواب السوق، وإنما تمتد إلى آلاف الأسر التي تحتاج إلى الخضر والفواكه بأسعار معقولة وبشكل منتظم.
المال العام ليس ورقة ضغط
الذي ينبغي أن يكون واضحاً اليوم هو أن مداخيل الجماعة ليست مجرد أرقام في ميزانية، وإنما أموال عمومية يفترض أن تعود بالنفع على الساكنة عبر الخدمات والمرافق والاستثمارات، ولهذا فإن كل درهم غير محصل، متى كان مستحقاً قانوناً، يمثل خسارة محتملة للمالية المحلية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع التجار، وإنما تطبيق القانون على الجميع، وربط الحقوق بالواجبات، وقطع الطريق أمام أي محاولة لتحويل السوق إلى منطقة نفوذ خارج منطق المؤسسات.
ومن يرى أن هناك ظلماً أو تجاوزاً في حقه، فالأبواب القانونية مفتوحة، والوثائق هي الفيصل، وليس التهديد بالاحتجاج أو محاولة فرض الأمر الواقع.
سطات أمام امتحان الحكامة
المطلوب اليوم من الجماعة والسلطات المعنية ليس فقط احتواء أي احتجاج محتمل، وإنما وضع ملف سوق الجملة على الطاولة بشكل شفاف: كشف وضعية المتأخرات، تحديد المسؤوليات، مراجعة آليات التحصيل، وضمان تكافؤ المعاملة بين جميع المستغلين.
أما التجار، فعليهم بدورهم أن يحددوا موقفهم بوضوح: هل يريدون سوقاً منضبطاً يضمن حقوقهم وحقوق الجماعة معاً، أم سوقاً تتحول فيه المراقبة والتحصيل إلى خطوط حمراء كلما اقتربت من مصالح بعض المستغلين؟
فالاحتجاج حق مشروع، لكن المال العام أيضاً حق للمواطنين، ومن يريد رفع مداخيل الجماعة فعلاً، فليبدأ من أبسط قاعدة: أدِّ ما عليك، طالب بما لك، واترك للقانون مهمة الفصل بين الطرفين.
تعليقات الزوار