اليحياوي يفتح ملف “التصويت الإجباري”: 38% فقط شاركوا فهل حان وقت السؤال الصعب؟

هبة زووم – الرباط
لم يكتفِ الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي بقراءة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة من زاوية توزيع المقاعد والتحالفات، بل عاد إلى الرقم الذي قد يكون الأكثر إثارة للجدل في انتخابات 23 شتنبر: نسبة المشاركة.
وفي تدوينة جديدة، يتوقف اليحياوي عند مشاركة لم تتجاوز 38% تقريباً، معتبراً أن استمرار العزوف الانتخابي بهذا المستوى، وفي اتجاه تصاعدي بحسب قراءته، يطرح سؤالاً يتجاوز الأحزاب والمرشحين إلى طبيعة العلاقة نفسها بين المواطن وصندوق الاقتراع.
وزارة الداخلية أعلنت رسمياً أن نسبة المشاركة النهائية بلغت 38.02% على المستوى الوطني، بينما كان عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية في حدود 15.8 مليون ناخب، ما يعني أن نحو ستة ملايين فقط أدلوا بأصواتهم.
وبالنسبة إلى اليحياوي، فإن الإشكال لا يتوقف عند ضعف الإقبال، بل يمتد إلى طبيعة التمثيلية التي تنتج عنها الانتخابات.
فحين يشارك أقل من أربعة ناخبين من أصل عشرة، تصبح الأحزاب الفائزة بمقاعد البرلمان مطالبة، وفق منطقه، بأن تتعامل مع سؤال أوسع من مجرد عدد المقاعد التي حصلت عليها: كم يمثل هؤلاء النواب فعلياً من مجموع المواطنين؟
وهنا يستحضر الباحث مثال حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 2026 بـ97 مقعداً من أصل 395، باعتبار أن تصدر النتائج لا يعني الحصول على أغلبية مطلقة ولا يعني، في حد ذاته، أن الحزب يمثل أغلبية الناخبين.
والنتائج الرسمية النهائية أبقت الحزب في الصدارة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65 والعدالة والتنمية بـ54.
لكن المشكلة التي يثيرها اليحياوي أعمق: هل يكفي الفوز وفق القواعد الانتخابية القائمة لمنح المؤسسات المنتخبة مستوى مرتفعاً من الشرعية الشعبية؟
من الناحية القانونية، نعم، الانتخابات تنتج مؤسساتها وفق القواعد المعمول بها، ولا تُقاس شرعية المقاعد بنسبة المشاركة وحدها. لكن من الناحية السياسية، يظل انخفاض المشاركة مؤشراً يستحق التحليل، خصوصاً عندما تصبح الفجوة كبيرة بين عدد المسجلين وعدد من يذهبون فعلياً إلى صناديق الاقتراع.
ومن هنا يقفز اليحياوي إلى السؤال الأكثر إثارة للجدل: ماذا لو أصبح التصويت إجبارياً؟ الفكرة ليست جديدة على الديمقراطيات المعاصرة. فهناك دول تعتبر التصويت واجباً مدنياً إلى جانب كونه حقاً، وتفرض تشريعاتها، بدرجات مختلفة، التزاماً بالمشاركة الانتخابية.
وتوضح قاعدة بيانات المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية أن دولاً مثل بلجيكا وأستراليا والأرجنتين والبرازيل والإكوادور ولوكسمبورغ تطبق أشكالاً من التصويت الإلزامي، مع اختلاف العقوبات ومدى إنفاذها.
بل إن بعض النماذج تعرف عقوبات مالية، بينما توجد نماذج أخرى تفرض التزاماً قانونياً دون تطبيق صارم للعقوبات، في حين تخلت دول أخرى تاريخياً عن الإلزامية.
وهذا التفصيل مهم، لأن التصويت الإجباري ليس نموذجاً واحداً، ففي بلجيكا، على سبيل المثال، يعود العمل بمبدأ إلزامية التصويت إلى نهاية القرن التاسع عشر، بينما بدأت أستراليا تطبيقه في عشرينيات القرن الماضي، والأرجنتين في بدايات القرن العشرين. كما أن فنزويلا وهولندا عرفتا الإلزامية في مراحل سابقة ثم تراجعتا عنها.
وبالتالي فإن السؤال المغربي لا ينبغي أن يكون ببساطة: “هل نُلزم المواطنين بالتصويت أم لا؟”، وإنما: ما الذي نريد تحقيقه من الإلزام؟ هل الهدف رفع نسبة المشاركة فقط؟ أم توسيع قاعدة التمثيلية؟ أم إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات؟ أم تعويض ضعف الثقة السياسية بإجراء قانوني يجبر المواطن على الوصول إلى صندوق الاقتراع؟
هنا تكمن المفارقة التي يطرحها اليحياوي، فإجبار المواطن على دخول مكتب التصويت لا يعني بالضرورة إجباره على منح صوته لحزب معين، وفي الأنظمة التي تجعل التصويت إلزامياً، يمكن أن توجد آليات للتعبير عن عدم الرغبة في اختيار أي مرشح، بحسب النظام الانتخابي المعتمد.
لذلك فإن رفع المشاركة بالقانون لا يساوي تلقائياً رفع الثقة في الأحزاب، وقد يذهب المواطن إلى الصندوق لأنه ملزم بذلك، ثم يختار ورقة بيضاء أو يلغي صوته أو يصوت احتجاجياً.
وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: هل أزمة الانتخابات أزمة مشاركة أم أزمة ثقة؟ فالرقم الرسمي البالغ 38.02% يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على ضعف الإقبال، لكنه لا يخبرنا وحده لماذا لم يصوت نحو ستة من كل عشرة مسجلين.
قد يكون السبب عدم الثقة في الأحزاب، أو عدم الاقتناع بالمرشحين، أو ضعف البرامج، أو اللامبالاة، أو أسباباً اجتماعية وشخصية، أو خليطاً من هذه العوامل.
ولهذا، فإن جعل التصويت إجبارياً قد يعالج المؤشر الإحصائي للمشاركة، لكنه لا يعالج بالضرورة أسباب العزوف، وهنا تصبح تدوينة اليحياوي أكثر إحراجاً للدولة والأحزاب معاً.
فإذا كانت نسبة المشاركة المنخفضة تثير القلق، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لا يتجه النقاش أولاً إلى الأسباب التي جعلت المواطن يبتعد عن صندوق الاقتراع؟ لماذا لا يُسأل الحزب عن حصيلته؟ لماذا لا يُحاسب المنتخب على وعوده؟ لماذا لا تصبح البرامج الانتخابية عقوداً سياسية واضحة يستطيع المواطن الرجوع إليها؟ ولماذا لا تكون المشاركة نتيجة اقتناع المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق، بدل أن تصبح نتيجة خوفه من غرامة أو عقوبة إدارية؟
اليحياوي يلخص موقفه بعبارة ساخرة حين يتساءل عما إذا كانت الدولة ستقبل بأن يصبح التصويت واجباً، قبل أن يضيف أن الدولة قد تقبل به «كحق»، لكنها قد تعتبره «كواجب» مسألة تفسد «الهندسة».
وهذه العبارة الأخيرة، باعتبارها قراءة سياسية للباحث، تفتح بدورها نقاشاً حول علاقة قواعد الانتخابات بتوازنات المشهد السياسي، لكن أي تغيير في هذا المجال يحتاج إلى نقاش مؤسساتي واضح، لأن الانتقال من التصويت الاختياري إلى التصويت الإلزامي ليس مجرد تعديل تقني، وإنما تغيير في طبيعة العلاقة القانونية بين المواطن والانتخابات.
وفي نهاية المطاف، تكشف انتخابات 23 شتنبر عن مفارقة يصعب تجاهلها: المؤسسات المنتخبة موجودة، الأحزاب تنافست، والنتائج أعلنت، لكن أغلبية المسجلين لم تشارك في التصويت.
وهذا لا يلغي شرعية العملية الانتخابية وفق قواعدها القانونية، لكنه يضع أمام البرلمان والأحزاب والحكومة المقبلة سؤالاً سياسياً ثقيلاً: كيف يمكن تحويل المواطن من متفرج على العملية السياسية إلى مشارك مقتنع بها؟ ربما يكون التصويت الإجباري أحد الخيارات الممكنة، وربما يرى آخرون أنه مساس بحرية المواطن في الامتناع.
لكن قبل الحسم في هذه المفاضلة، يبقى السؤال الأكثر جوهرية: هل نريد مواطناً يذهب إلى صندوق الاقتراع لأنه مجبر، أم مواطناً يذهب إليه لأنه مقتنع بأن صوته يصنع فرقاً؟ فرفع نسبة المشاركة بالقانون قد يرفع الرقم، لكن رفع الثقة لا يصنعه القانون وحده.
والتحدي الحقيقي أمام الدولة والأحزاب ليس فقط كيف تجعل المواطن يصوت، وإنما كيف تجعله يؤمن بأن صوته يستحق أن يُستعمل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد