صفرو.. حين تتحول الصحافة إلى “نكافة” للعامل أبو زيد وتُدفن أسئلة التنمية

هبة زووم – صفرو
في صفرو، يبدو أن معركة الإعلام المحلي لم تعد فقط مع شح الموارد، ولا مع صعوبة الوصول إلى المعلومة، ولا مع هشاشة شروط الاشتغال المهني، وإنما أصبحت أيضاً مع ظاهرة أكثر خطورة: حين يتحول بعض الخطاب المنسوب إلى الصحافة إلى منصة للمديح والتلميع بدل المراقبة وطرح الأسئلة.
ومع كل تعيين لمسؤول ترابي جديد، يتكرر المشهد نفسه، بحسب منتقدين لهذا النوع من الخطاب: عبارات الترحيب، الإشادة المفرطة، تقديم المسؤول باعتباره رجل المرحلة، ثم الانتقال تدريجياً من التغطية إلى صناعة صورة وردية عن الواقع المحلي.
وفي الحالة المرتبطة بالعامل أبوزيد، تبرز هذه الظاهرة، وفق ما يروج في النقاش المحلي، بشكل يطرح أكثر من علامة استفهام حول الحدود الفاصلة بين التغطية الصحفية والترويج الشخصي.
فالصحافة ليست بياناً للعلاقات العامة، وليست منصة لإنتاج صور مثالية عن المسؤولين، كما أنها ليست مجالاً لتوزيع شهادات الولاء، وظيفتها، قبل كل شيء، أن تسأل: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ أين تصرف المال العام؟ ما وضع الخدمات؟ ماذا يقول المواطنون؟ وأين تتعثر المشاريع؟
من التهليل إلى طلب الامتيازات؟
الأكثر إثارة للجدل هو الحديث المتداول محلياً عن علاقة بعض الصفحات التي تقدم نفسها في صورة إعلامية بمسؤولي الإدارة الترابية.
ووفق انتقادات متداولة في الأوساط المهنية، قد يبدأ الأمر بمديح مكثف لمسؤول جديد، قبل أن يتحول لاحقاً إلى انتظار لمنافع أو امتيازات أو معاملة خاصة.
لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى أدلة وحالات موثقة، لأن تعميم اتهامات من قبيل «الابتزاز» أو «المقايضة» دون إثبات قد يحول النقاش من نقد مشروع إلى مجرد تبادل للاتهامات.
ومع ذلك، فإن السؤال المهني يبقى مشروعاً: إذا كان شخص ما يمارس الصحافة فعلاً، فما الذي يبرر تحويل مهمته الرقابية إلى وظيفة مديح؟ وإذا لم يكن صحفياً، فلماذا يقدم نفسه بهذه الصفة؟
هذه ليست مسألة شكلية، فاللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر سبق أن شددت على ضرورة التصدي لممارسات انتحال صفة الصحافي، وعلى أهمية حماية المهنة من الدخلاء وضمان احترام شروط الولوج إليها وأخلاقيات ممارستها.
العامل ليس فوق السؤال
المشكلة ليست في أن يتم استقبال العامل الجديد بالترحيب، ولا في أن تنقل وسائل الإعلام أنشطته وتحركاته، المشكلة تبدأ عندما يصبح المسؤول موضوعاً للتقديس الإعلامي بدل أن يكون موضوعاً للمساءلة الصحفية.
العامل، مثل أي مسؤول عمومي، يستحق الاحترام المؤسساتي، لكنه لا يحتاج إلى «أبواق» تسبقه في مدحه، كما أن المواطنين لا يحتاجون إلى رواية إعلامية مصطنعة تحجب عنهم ما يجري على الأرض.
صفرو تحتاج إلى صحافة تسأل عن التنمية، لا إلى صفحات تكتفي بتعداد مناقب المسؤولين، تحتاج إلى من يسأل عن المشاريع المتعثرة، وعن وضعية الطرق، والنقل، والنظافة، والصحة، والتعليم، وفرص الشغل، والاستثمار، والمجال القروي، وليس فقط عن عدد الاجتماعات التي عقدها هذا المسؤول أو ذاك.
ماذا عن واقع الإقليم؟
هنا تحديداً ينبغي أن يتغير اتجاه البوصلة، فبدل أن ينشغل جزء من المشهد الإعلامي المحلي بصناعة صورة مثالية للمسؤول، لماذا لا تنصرف الجهود إلى قياس أثر السياسات العمومية على المواطن؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل تحرك الاستثمار؟ هل تقلصت البطالة؟ هل استفادت الجماعات القروية من البرامج التنموية؟ هل وصلت المشاريع إلى نتائج ملموسة؟ وهل أصبحت علاقة الإدارة بالمواطن أكثر نجاعة وشفافية؟
هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تكون في صلب العمل الصحفي، أما أن يتحول وصول مسؤول جديد إلى مناسبة لإطلاق موجة من عبارات التمجيد، فإن ذلك لا يخدم لا المسؤول ولا الإقليم ولا الصحافة.
بل قد يضر المسؤول نفسه، لأن كثرة المديح تحرمه من النقد الذي يحتاج إليه لتصحيح الاختلالات، وتخلق حوله صورة إعلامية قد لا تعكس بالضرورة الواقع.
“النكافة الإعلامية” تسيء إلى الجميع
الأخطر أن هذه الممارسات، إذا ثبت وجودها، لا تضر فقط بصورة الصحافة، وإنما تضرب أيضاً الصحافيين المهنيين الذين يشتغلون وفق القواعد القانونية والأخلاقية.
فالصحافي الذي يقضي وقته في البحث عن المعلومة والتحقق من المعطيات ومواجهة صعوبة الوصول إلى المصادر، يجد نفسه في مواجهة منافسة غير عادلة من صفحات يمكن أن تقدم نفسها إعلامياً دون الالتزام بالحد الأدنى من شروط العمل المهني.
وقد سبق أن رصدت تقارير صحفية ظاهرة أشخاص يقدمون أنفسهم كصحافيين للحصول على امتيازات أو ولوج إلى فعاليات، وهو ما جعل حماية المهنة من الدخلاء مطلباً مهنياً قديماً ومتجدداً.
وهنا لا بد من التمييز بين “الصحافة الرقمية الحقيقية”، التي أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الإعلامي، وبين مجرد صفحة على فيسبوك لا تكفي وحدها لإثبات الصفة المهنية لصاحبها.
صفرو تحتاج إلى أسئلة لا إلى تصفيق
الاختبار الحقيقي لأي مرحلة جديدة في الإقليم لن يكون بعدد الصفحات التي تمدح العامل، ولا بعدد المنشورات التي تتغنى بإنجازاته..
الاختبار سيكون في ما سيحدث على الأرض، هل ستتحسن ظروف المواطنين؟ هل ستتحرك عجلة الاستثمار؟ هل ستصل التنمية إلى المناطق القروية؟ هل ستتحسن الخدمات العمومية؟ هل ستتم معالجة الملفات التي ظلت عالقة؟ وهل سيكون الإعلام المحلي شريكاً في كشف الاختلالات واقتراح الحلول، أم سيتحول إلى مجرد واجهة للترويج؟
في النهاية، لا يحتاج صفرو إلى «نكافة إعلامية» تصفق للمسؤولين، بل إلى صحافة تزعجهم بالأسئلة عندما يكون السؤال ضرورياً، وتشيد بهم عندما يكون الإنجاز مستحقاً، وتضع الوقائع أمام الرأي العام دون تزويق أو تهويل.
فالمسؤول الذي يستحق الثقة لا يحتاج إلى التهليل، والصحفي الذي يحترم مهنته لا يحتاج إلى الامتيازات. وبين الاثنين يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي على حصيلة التنمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد