انتخابات الحسيمة 2026.. أربعة مقاعد تشعل صراعاً كبيراً على النفوذ

المراسل – الحسيمة
تدخل دائرة الحسيمة غمار الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026 وسط سباق انتخابي يبدو مفتوحاً على أكثر من سيناريو، بعدما اختارت عدد من الأحزاب الدفع بأسماء جديدة، في مقابل أحزاب أخرى فضّلت الرهان على وجوه راكمت تجربة انتخابية وسياسية وميدانية على مدى سنوات.
وفي دائرة لا تمنح سوى أربعة مقاعد بمجلس النواب، تبدو المعركة أكبر من مجرد منافسة بين لوائح حزبية؛ فهي اختبار حقيقي لقدرة التنظيمات السياسية على الحفاظ على مواقعها، وامتحان لشبكات التعبئة المحلية، وقياس لمدى استعداد الناخب الحسيمي لمنح ثقته لوجوه جديدة في مقابل أسماء أصبحت جزءاً من المشهد الانتخابي المحلي.
خريطة 2021.. نقطة البداية لفهم معركة 2026
لفهم طبيعة السباق الحالي، لا بد من العودة إلى نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021، التي أفرزت خريطة انتخابية حملت بدورها مؤشرات مهمة على التحولات التي عرفتها دائرة الحسيمة.
فقد تصدر حزب الاستقلال النتائج بمرشحه نور الدين مضيان، بأكثر من 22 ألف صوت، متقدماً على مرشح التجمع الوطني للأحرار بوطاهر البوطاهري، الذي حل ثانياً بأزيد من 19 ألف صوت.
أما المقعدان الآخران، فكانا من نصيب حزب الأصالة والمعاصرة بواسطة محمد الحموتي، وحزب الحركة الشعبية بواسطة محمد الأعرج، بعدما تجاوز كل منهما سقف 14 ألف صوت.
وفي المقابل، جاء الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المرتبة الخامسة، بينما ظلت مجموعة من الأحزاب خارج دائرة المنافسة الفعلية على المقاعد الأربعة.
لكن قراءة نتائج 2021 لا تكتمل دون استحضار انتخابات 7 أكتوبر 2016، التي كشفت بدورها عن تحولات لافتة في موازين القوى.
ففي ذلك الاستحقاق، تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من الظفر بمقعدين بواسطة محمد الحموتي، فيما عاد المقعدان الآخران إلى محمد الأعرج عن الحركة الشعبية ونور الدين مضيان عن حزب الاستقلال.
وبين استحقاقي 2016 و2021، تبدلت بعض ملامح الخريطة بشكل واضح، إذ فقد الأصالة والمعاصرة أحد مقعديه، مقابل صعود التجمع الوطني للأحرار إلى تركيبة المقاعد الأربعة، بينما حافظ حزب الاستقلال على حضوره.
وهذه التحولات تجعل من نتائج 2021 ورقة مهمة لفهم طبيعة المعركة المقبلة، لكنها لا تمنح بالضرورة أي مرشح ضمانة مسبقة بالوصول إلى البرلمان.
وجوه مألوفة.. واختبار جديد
في انتخابات 2026، اختارت مجموعة من الأحزاب الاستثمار في أسماء لها حضور سابق داخل الدائرة.
فحزب الأصالة والمعاصرة أعاد محمد الحموتي إلى واجهة المنافسة، فيما جدد حزب الحركة الشعبية ثقته في محمد الأعرج، بينما يدفع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالبرلماني عبد الحق أمغار لقيادة لائحته.
ويعكس هذا الاختيار رهاناً واضحاً على الخبرة الانتخابية، وعلى ما راكمته هذه الأسماء من حضور ميداني وعلاقات وشبكات تواصل داخل الدائرة.
لكن التجربة السابقة لا تعني بالضرورة تكرار النتائج نفسها، فالانتخابات المحلية والتشريعية لا تحسمها الأسماء وحدها، كما لا تضمنها قوة الحزب فقط؛ إذ تتداخل فيها عوامل متعددة، من الحضور الميداني إلى القدرة على التعبئة، مروراً بصورة المرشح لدى الناخب ومدى قدرته على إقناع الفئات التي لم تحسم قرارها بعد.
الاستقلال والأحرار.. تغيير الأسماء واختبار نقل الرصيد
في الجهة المقابلة، اختار حزبا الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار خوض السباق بأسماء مختلفة عن تلك التي تصدرت المشهد في انتخابات 2021.
فحزب الاستقلال يدخل المنافسة بالمرشح محمد الحموداني، خلفاً لنور الدين مضيان، بينما اختار التجمع الوطني للأحرار كريم البوطاهري لقيادة لائحته.
وهنا يبرز واحد من أهم أسئلة انتخابات الحسيمة: هل يمكن نقل الرصيد الانتخابي من المرشح إلى الحزب؟
فالأصوات التي حصل عليها المرشحون في الانتخابات السابقة ليست بالضرورة ملكاً تنظيمياً خالصاً للأحزاب، بل قد تكون مرتبطة بشخصية المرشح، وعلاقاته المحلية، وحضوره داخل المجال الترابي، وقدرته على بناء شبكة انتخابية خاصة به.
ومن ثم، سيكون الاستحقاق المقبل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزبين على تحويل رصيدهما التنظيمي والسياسي إلى أصوات فعلية لفائدة المرشحين الجدد.
العدالة والتنمية يراهن على ورقة مختلفة
ومن أبرز الأسماء الجديدة التي تدخل السباق، حنان المعروفي، التي اختارها حزب العدالة والتنمية لقيادة لائحته بدائرة الحسيمة.
ويأتي هذا الترشيح في سياق محاولة الحزب استعادة جزء من حضوره الانتخابي بالدائرة، بعد النتائج التي حققها في استحقاق 2021.
وتبدو مهمة المعروفي صعبة في ظل وجود أسماء تتمتع بتجربة انتخابية طويلة، لكنها في المقابل قد تستفيد من رغبة جزء من الناخبين في التغيير، ومن الأصوات التي لم تعد مرتبطة بشكل نهائي بالخيارات التقليدية.
وبذلك، قد يتحول حضور العدالة والتنمية في هذه الانتخابات إلى اختبار لمدى قدرة الحزب على استعادة جزء من قاعدته الانتخابية، أو جذب أصوات جديدة تبحث عن بديل سياسي داخل الدائرة.
اليسار والدستوري والتقدم والاشتراكية يدخلون على الخط
ولا تقتصر المنافسة على الأحزاب ذات الحضور الأقوى في نتائج الاستحقاقات السابقة، إذ يدخل الاتحاد الدستوري السباق بواسطة لطيفة أعبوث، بينما يراهن حزب التقدم والاشتراكية على محمد بودرة، في حين يدفع تحالف اليسار بالمحامي ياسين الفاسي.
ورغم اختلاف حجم الحضور الانتخابي لهذه التنظيمات، فإن قدرتها على تجميع الأصوات قد تصبح عاملاً مؤثراً في الحسابات النهائية، خصوصاً في سباق لا يتسع سوى لأربعة مقاعد.
ففي مثل هذه الدوائر، لا تقاس أهمية بعض اللوائح فقط بقدرتها على الفوز، وإنما أيضاً بقدرتها على إعادة توزيع الأصوات والتأثير في المسافة التي تفصل المتنافسين عن المقاعد المتاحة.
أربعة مقاعد.. وكتلة من الأصوات قد تقلب الحسابات
ربما يكون العامل الأكثر حسماً في انتخابات الحسيمة هو الناخب الذي لم يحسم خياره بعد، فهذه الكتلة من الأصوات يمكن أن تتحول إلى بيضة القبان في السباق، خصوصاً إذا كانت المنافسة متقاربة بين عدد من اللوائح والمرشحين.
كما أن توزيع الأصوات بين مختلف مناطق الدائرة قد يلعب دوراً مهماً في تحديد النتائج، بالنظر إلى اختلاف الوزن الانتخابي للمجالات الترابية، وتفاوت الحضور التنظيمي للأحزاب من منطقة إلى أخرى.
وبالتالي، فإن السؤال لن يكون فقط حول الحزب الذي يمتلك أكبر قاعدة انتخابية، بل حول المرشح القادر على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين وتحويل الحضور الميداني إلى أصوات يوم الاقتراع.
معركة على النفوذ أكثر منها على المقاعد
المشهد الانتخابي بالحسيمة يوحي بأن انتخابات 2026 ستكون اختباراً مزدوجاً، فهي أولاً اختبار للأحزاب التي تريد الحفاظ على مواقعها داخل الخريطة المحلية، وثانياً فرصة أمام قوى سياسية تسعى إلى إحداث اختراق وإعادة ترتيب موازين القوى.
وإذا نجحت الأسماء ذات التجربة في الحفاظ على حضورها، فسيكون ذلك مؤشراً على استمرار قوة شبكاتها الانتخابية وقدرتها على الصمود أمام خطاب التجديد.
أما إذا تمكنت الوجوه الجديدة من انتزاع أحد المقاعد الأربعة، فإن الرسالة السياسية ستكون مختلفة: الخريطة الانتخابية بالحسيمة بدأت تتحرك، والناخب لم يعد بالضرورة أسير الأسماء التي اعتاد رؤيتها في الواجهات الانتخابية.
ومن هنا، فإن انتخابات 23 شتنبر لا تبدو مجرد سباق عادي على أربعة مقاعد، بل أقرب إلى استفتاء انتخابي على موازين النفوذ داخل دائرة الحسيمة.
فمن سيحافظ على رصيده؟ ومن سيرث أصوات الأسماء التي غابت عن السباق؟ ومن سيتمكن من تحويل شعار «تجديد النخب» إلى مقعد برلماني فعلي؟
أسئلة كثيرة ستبقى معلقة إلى حين إغلاق صناديق الاقتراع، لكن المؤكد أن دائرة الحسيمة تدخل هذه الانتخابات بخريطة غير مكتملة، وبمعركة قد تعيد رسم حدود النفوذ السياسي المحلي من جديد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد