اليحياوي: المرشحون يعرفون أنهم يكذبون والناخبون يعرفون ذلك ويصوتون لهم

هبة زووم – الرباط
بلهجة نقدية حادة، وضع الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي الانتخابات التشريعية على طاولة التشريح، مركزاً على العلاقة التي تنشأ بين المرشحين والناخبين في العالم القروي، وما يرافقها، بحسب توصيفه، من وعود موسمية، وغياب للمحاسبة، واستمرار نفوذ الأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي.
اليحياوي يقول إن مرشحي الانتخابات التشريعية “يكتشفون البادية”، في إشارة إلى أن بعض المرشحين لا يتذكرون المناطق القروية وسكانها إلا مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية.
ويضيف أن هذا «الاكتشاف» يقود المرشحين إلى الوقوف على واقع اجتماعي ومجالي صعب: قرى تعاني، وفق ما أورده، من غياب الطرق والماء، ونقص الخدمات الصحية، ومؤسسات تعليمية لا ترقى إلى مستوى انتظارات السكان.
لكن المفارقة، في نظر اليحياوي، أن هؤلاء المرشحين، رغم إدراكهم لهذه الأوضاع، سيضطرون إلى العودة إلى هذه المناطق والاقتراب من سكانها خلال فترة الانتخابات، لإظهار التواضع والابتسامة والالتزام بخدمتهم.
ويقدم الباحث صورة شديدة السخرية عن هذا المشهد الانتخابي، معتبراً أن المرشح والناخب يدخلان العملية وهما، بحسب توصيفه، يدركان أن الوعود الانتخابية لن تجد طريقها بالضرورة إلى التنفيذ.
ويقول اليحياوي إن “المرشحون مقتنعون أنهم يكذبون، لأنهم لم يفوا يوماً بما وعدوا، والمصوتون مقتنعون أن المرشحين يكذبون”، قبل أن يطرح السؤال الأكثر إحراجاً: إذا كان الطرفان يعلمان ذلك، فلماذا تستمر العملية الانتخابية بالطريقة نفسها؟
جواب اليحياوي يرتبط، بحسب قراءته، بغياب البديل، إذ يرى أن الناخبين يجدون أنفسهم أمام الأعيان وأصحاب النفوذ، ممن يملكون، وفق توصيفه، القدرة على خوض حملات انتخابية مكلفة واستعمال المال لاستمالة الناخبين.
ولا يتوقف نقد الباحث عند حدود الوعود الانتخابية، بل ينتقل إلى مسألة المال الانتخابي، حيث يتحدث عن مرشحين “لا ضرر عندهم أن يوزعوا المال على كل من يتحرك”، في توصيف يعكس حجم القلق الذي يثيره استمرار الحديث عن استعمال المال في الاستحقاقات الانتخابية.
أما الإشكال الأكبر، وفق اليحياوي، فيتمثل في طبيعة التصويت في البادية، حيث يرى أن الاقتراع لا يتحول بالضرورة إلى آلية لمحاسبة الحكومة أو معاقبة المنتخبين السابقين على حصيلة تدبيرهم.
وهنا يصل الباحث إلى واحدة من أكثر خلاصات تدوينته حدة، حين يختزل الناخب في مجرد صوت انتخابي يُستعمل لحظة الاقتراع، قبل أن ينتهي دوره بمجرد إغلاق الصناديق وإحصاء الأصوات.
ويطرح اليحياوي، في هذا السياق، سؤالاً مباشراً: “ما قيمة ورقة التصويت؟”، ليجيب بأن قيمتها، في الوضع الذي ينتقده، لا تتجاوز وجودها المادي داخل صندوق الاقتراع، لأنها، حسب تعبيره، “لا تقدم معروفاً ولا تغير منكراً”.
وبغض النظر عن حدة التوصيفات التي اختارها اليحياوي، فإن تدوينته تضع سؤالاً سياسياً أعمق أمام الاستحقاقات التشريعية المقبلة: **هل ما يزال التصويت يؤدي فعلاً وظيفة المحاسبة السياسية، أم تحول في بعض المناطق إلى مجرد طقس انتخابي يتكرر كل خمس سنوات؟**
فالانتخابات لا تستمد قيمتها فقط من يوم الاقتراع أو من عدد الأوراق الموضوعة داخل الصناديق، وإنما من قدرتها على إنتاج التمثيلية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إقناع المواطن بالتصويت، وإنما في جعل صوته مؤثراً بعد انتهاء الانتخابات أيضاً، حتى لا تتحول البادية إلى محطة موسمية للمرشحين، ولا يتحول الناخب إلى مجرد رقم في محاضر النتائج.
ذلك أن أخطر ما يمكن أن يصيب العملية الديمقراطية ليس فقط ضعف المشاركة، بل أن يشارك المواطن ثم يكتشف أن صوته لا يمنحه القدرة على المحاسبة، ولا يغير في موازين المسؤولية شيئاً.
وفي هذا المعنى، تبدو تدوينة اليحياوي بمثابة إنذار سياسي: حين يصبح المرشح محتاجاً إلى الناخب فقط يوم الاقتراع، ويصبح الناخب مقتنعاً مسبقاً بأن الوعود لن تتحقق، فإن السؤال لم يعد فقط: لمن سيصوت المواطن؟ بل أصبح: ماذا ستفعل السياسة بصوته بعد أن تنتهي الانتخابات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد