أزيلال.. حين تتحول السياسة إلى “بورصة” انتخابية والتزكيات إلى أسهم رابحة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في كل موسم انتخابي بأزيلال، تعود السياسة إلى الواجهة، كما تعود الوجوه القديمة إلى المشهد، وكأن الانتخابات موعد سنوي لإعادة اكتشاف المواطن بعد سنوات من النسيان.
لا أحد يستيقظ فجأة مؤمناً بالديمقراطية، ولا أحد يكتشف، بين عشية وضحاها، أن سكان الدواوير والأحياء والأسواق والمقاهي يستحقون من يستمع إلى مشاكلهم.
الذي يحدث ببساطة أن صناديق الاقتراع تفتح أبوابها، فتفتح معها أبواباً أخرى كثيرة: أبواب الطموح، والمصالح، والتحالفات، والصفقات، والتزكيات، وأولئك الذين يعتقدون أن السياسة ليست مسؤولية عمومية، وإنما استثمار طويل الأمد.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت الطقوس الانتخابية تستعيد ملامحها المعروفة، حيث ستظهر الوجوه التي اختفت طيلة سنوات، وستعود الابتسامات التي كانت في عطلة إجبارية، وستنتشر الصور والزيارات واللقاءات، وسيكتشف بعض السياسيين فجأة أن المواطن موجود، وأن له مشاكل، وأن له بيتاً ومدرسة ومستوصفاً وطريقاً ومصلحة إدارية.
سيُكتشف المواطن بعد أن يكون قد قطع المسافة بين بيته والمستوصف فوق ظهر الدعاء، وبين منزله والمدرسة فوق مطبات التنمية، وبين الدوار ومقر الجماعة حاملاً ملفاً إدارياً أصبح أقدم من بعض المنتخبين.
لكن الانتخابات، كما تكشفها بعض الممارسات المحلية، لا تبدأ يوم الاقتراع، الانتخابات تبدأ قبل ذلك بكثير، تبدأ في الغرف المغلقة، وفي اللقاءات التي لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وفي المفاوضات التي لا تصل إلى محاضر الاجتماعات، وفي سوق لا تُباع فيه الخضر ولا المواشي، وإنما تُتداول فيه سلعة أكثر حساسية: التزكيات.
وهنا يبرز السؤال الذي يزعج كثيرين: كيف تتحول السياسة من فضاء للتنافس حول البرامج والكفاءات إلى سوق للتزكيات والولاءات؟ الجواب ليس معقداً.
يحدث ذلك عندما تتحول السياسة من خدمة عمومية إلى صفقة، ومن مشروع مجتمعي إلى استثمار شخصي، ومن قناعة سياسية إلى تزكية، ومن النضال إلى ولاء، ومن الكفاءة إلى القدرة على جمع الأصوات أو تقديم الخدمات أو نسج العلاقات المناسبة في الوقت المناسب.
في هذه الحالة، لا يعود السؤال: من لديه أفضل برنامج؟ بل يصبح السؤال: من يملك مفاتيح التزكية؟ ومن يملك القدرة على تمويل المعركة؟ ومن يستطيع جمع أكبر عدد من الأصوات؟
وهنا بالضبط تبدأ “بورصة السياسة”، ولا يأتي الطامح الانتخابي إلى هذه البورصة وهو يحمل لافتة كتب عليها: “أنا أبحث عن مصلحتي”، سيكون ذلك، على الأقل، قدراً نادراً من الصراحة.
يأتي في صورة رجل أعمال، أو فاعل جمعوي، أو وجه اجتماعي، أو مناضل حزبي، أو شخصية محلية اكتشفت فجأة أن خدمة الوطن لا يمكن أن تتم إلا من داخل البرلمان.
يأتي بخطاب جميل، وصور كثيرة، وسيرة ذاتية لا يعرف المواطن منها إلا ما كتب على الملصقات واللافتات، وفي السياسة، كما في الإعلانات، لا يُطلب منك دائماً أن تكون جيداً… بل أن تبدو جيداً في الصورة.
وسط هذه الدينامية، يطرح حضور السلطة الترابية نفسه بقوة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإقليم مثل أزيلال، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية مع واقع اجتماعي وتنموي شديد التعقيد.
ومن هنا، فإن أي حديث عن دور العامل أو الإدارة الترابية في تدبير المرحلة الانتخابية المقبلة يحتاج إلى الكثير من التدقيق والوثائق، لأن مسؤولية السلطة ليست صناعة المرشحين ولا ترجيح كفة هذا الحزب أو ذاك، وإنما ضمان تكافؤ الفرص والحياد الإداري واحترام القانون، فالسلطة الترابية مطالبة بأن تكون حكماً، لا لاعباً، ومطالبة بأن تراقب الانتخابات، لا أن تتحول إلى جزء من بورصتها.
المشكلة الحقيقية أن بعض الممارسات الانتخابية تختزل المواطن في رقم، صوت واحد، أسرة واحدة، دوار واحد، وشبكة علاقات واحدة، وهكذا يتحول المواطن من صاحب حق إلى “رصيد انتخابي”، ومن شريك في القرار إلى سلعة في حسابات المرشحين.
لكن أزيلال ليست مجرد خريطة انتخابية، إنها إقليم يعاني من أسئلة حقيقية حول الطرق، والصحة، والتعليم، والنقل، وفرص الشغل، وفك العزلة عن المناطق الجبلية، وتثمين المؤهلات الطبيعية والسياحية.
هذه الملفات لا تحتاج إلى صور انتخابية، ولا إلى وعود موسمية، ولا إلى زيارات تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، تحتاج إلى سياسات عمومية ومشاريع ومحاسبة.
ولهذا، فإن المواطن الأزيلالي لا يحتاج إلى من يكتشفه كل أربع سنوات، وإنما إلى منتخب يتذكره كل يوم، وفي النهاية، إذا كانت الانتخابات سوقاً، فليكن التنافس فيها على البرامج.
وإذا كانت هناك بورصة، فلتكن بورصة للأفكار والكفاءات والمشاريع، أما تحويل المواطن إلى سهم، والتزكية إلى عملة، والسلطة إلى وسيط، والجماعة إلى منصة انتخابية، فذلك ليس ديمقراطية، ذلك مجرد سوق سياسية… والفرق بين السوق والديمقراطية أن الأولى تبحث عن السعر، بينما الثانية تبحث عن قيمة الإنسان وصوته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد