هبة زووم – فاس
ليست الديمقراطية مجرد صناديق اقتراع، ولا تختزل في حملات انتخابية وصناديق تصويت، بل تقوم، قبل كل شيء، على ثقة المواطن في حياد مؤسسات الدولة، وعلى يقينه بأن الإدارة والسلطة العمومية تقفان على المسافة نفسها من جميع المتنافسين، دون ميل أو اصطفاف أو انطباع قد يمس بصورة الدولة وهيبتها.
لكن هذا المبدأ يجد نفسه اليوم أمام أسئلة محرجة، كلما ظهر مسؤولون سابقون، ممن تقلدوا مناصب إدارية أو أمنية أو ترابية حساسة، ضمن محيط مرشحين في الاستحقاقات الانتخابية، بعد فترة وجيزة من إحالتهم على التقاعد، وفي المناطق نفسها التي مارسوا فيها سلطاتهم لسنوات.
قد يكون الأمر، من الناحية القانونية، مباحاً ولا يمنعه أي نص صريح، فالمتقاعد يظل مواطناً كامل الحقوق، من حقه الانخراط في العمل السياسي والانتماء إلى الحزب الذي يختاره. غير أن النقاش الحقيقي لا يقف عند حدود النصوص القانونية، بل يتجاوزها إلى سؤال أكبر يتعلق بصورة الدولة ورمزيتها، وإلى الرسالة التي يتلقاها المواطن عندما يرى من كان بالأمس يمثل سلطة الدولة وهيبتها، يتحول اليوم إلى جزء من ماكينة انتخابية تدعم مرشحاً بعينه.
وفي مدينة فاس، عاد هذا النقاش بقوة إلى الواجهة، بعدما تداولت الأوساط المحلية صوراً ومعطيات تتعلق بحضور مسؤولين سابقين إلى جانب بعض المرشحين، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الحق المشروع في ممارسة السياسة، وبين واجب المحافظة على الصورة الرمزية للمؤسسات.
فالسلطة ليست مجرد وظيفة تنتهي بالتقاعد، بل هي أيضاً رصيد معنوي ورمزية مؤسساتية، ولذلك فإن الانتقال السريع من موقع الحياد الإداري إلى خندق المنافسة الانتخابية قد يخلق، لدى جزء من الرأي العام، انطباعاً بأن المسافة بين الإدارة والسياسة ليست بالوضوح الذي يفترض أن تكون عليه، حتى وإن لم يترتب عن ذلك أي خرق قانوني.
إن الإشكال لا يتعلق بالأشخاص، ولا بحقوقهم الدستورية، وإنما بضرورة حماية الثقة العامة في المؤسسات. فالدولة الحديثة لا تبنى فقط بالقوانين، وإنما أيضاً بالأعراف الديمقراطية التي تعزز الإحساس بالحياد والاستقلالية، وتجعل المواطن مطمئناً إلى أن السلطة العمومية لا تتحول، بعد انتهاء مهامها، إلى امتداد لمعركة انتخابية.
وإذا كانت القوانين لا تمنع مثل هذه الممارسات، فإن النقاش العمومي يبقى مشروعاً حول الحاجة إلى إرساء ضوابط أخلاقية أو آجال فاصلة بين مغادرة بعض المناصب الحساسة والانخراط المباشر في الحملات الانتخابية، حمايةً لهيبة الدولة، وصوناً لصورة مؤسساتها، وترسيخاً لمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بنزاهة يوم الاقتراع، بل أيضاً بمدى قدرة الدولة على حماية صورتها من كل ما قد يثير الشك أو يغذي التأويل. فحين تصبح الحدود بين الإدارة والسياسة ضبابية، فإن أول الخاسرين ليس مرشحاً أو حزباً، بل ثقة المواطن في مؤسسات يفترض أن تبقى فوق كل الاصطفافات، وأن تظل عنواناً للحياد والإنصاف، لا طرفاً في معادلات السياسة وتقلباتها.
تعليقات الزوار