السنتيسي يحذر من نفور الناخبين وينسى أن “الميركاتو السياسي” أحد أكبر أسباب العزوف

هبة زووم – الرباط
حذر إدريس السنتيسي، القيادي السابق في حزب الحركة الشعبية، من أن الصراعات والتجاذبات السياسية قد تفسد الأجواء المحيطة بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، وتدفع المواطنين إلى النفور من العملية الانتخابية والعزوف عن المشاركة فيها.
كلام يبدو، في ظاهره، منطقياً، فالمغرب يحتاج بالفعل إلى مشاركة انتخابية واسعة، وإلى استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات وفي جدوى أصواتهم، خصوصاً في ظل النقاش المتكرر حول نسب المشاركة والعزوف السياسي.
لكن ما يبدو أن السنتيسي نسيه، وهو يتحدث عن أسباب نفور المواطنين من الانتخابات، هو أن أحد أكثر المشاهد التي تثير السخرية والاشمئزاز السياسي لدى جزء واسع من الرأي العام هو ذلك الذي يتكرر مع اقتراب كل استحقاق: “الميركاتو الانتخابي” أو سوق انتقال السياسيين بين الأحزاب.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن مطالبة المواطن بالثقة في حزب وبرنامج ومشروع سياسي، بينما يرى بعض السياسيين ينتقلون من حزب إلى آخر في لحظة سياسية حساسة، ثم يطلبون منه أن يتعامل مع هذه الانتقالات باعتبارها اختيارات شخصية نبيلة، لا علاقة لها بالترحال السياسي؟
السنتيسي، الذي أمضى نحو ثلاثة عقود داخل حزب الحركة الشعبية، أصبح اليوم ضمن صفوف حزب الاستقلال، وهو انتقال يدافع عنه بالقول إنه جاء بعد سنوات من الضغوط والمضايقات التي تعرض لها داخل حزب “السنبلة”.
وقد يكون للسنتيسي أسبابه الخاصة، ومن حقه السياسي أن يقدم للرأي العام روايته الكاملة حول ظروف مغادرته للحركة الشعبية، لكن المواطن، الذي لا يعيش داخل تفاصيل الصراعات التنظيمية، ينظر إلى المشهد من زاوية مختلفة وبسيطة: رجل سياسي قضى ثلاثين سنة داخل حزب، ودافع عن توجهاته ورموزه ومواقفه، ثم انتقل في النهاية إلى حزب منافس سياسياً وتنظيمياً.
فما الذي يجعل هذا الانتقال، في نظر المواطن، مختلفاً عن الترحال السياسي الذي يرفضه السياسيون عندما يقوم به الآخرون؟ المشكلة ليست في حق أي سياسي في تغيير موقعه أو مغادرة حزب، فحرية الانتماء السياسي حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كل انتقال يقوم به الخصم إلى «ترحال»، بينما يصبح الانتقال الشخصي “اختياراً مبدئياً” و”بحثاً عن المستقبل”، هذه الازدواجية هي بالضبط ما يغذي فقدان الثقة.
هذا، ويدعو السنتيسي إلى مشاركة جميع فئات المجتمع، من الشباب والنساء والرجال، معتبراً أن التصويت هو الوسيلة الأساسية للتأثير في النتائج وصناعة التغيير، لكن قبل مطالبة الشباب بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، ينبغي أولاً الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا فقد جزء من الشباب ثقته في السياسة؟ هل السبب هو فقط الصراعات والتجاذبات؟ أم أن المواطن سئم أيضاً من رؤية سياسيين يغيرون مواقعهم الحزبية مع اقتراب الانتخابات، فيما تبقى الخطابات والوعود والبرامج قابلة للتغيير وفق الحزب الذي يحمل الاسم السياسي الجديد؟
المواطن لا يملك بالضرورة الوقت لمتابعة الصراعات الداخلية التي يقول السنتيسي إنه عاشها لخمس سنوات، لكنه يرى النتيجة النهائية، ويرى أن الوجوه نفسها تنتقل من حزب إلى آخر، ويرى أن خصومات الأمس تتحول أحياناً إلى تحالفات اليوم، ويرى أن السياسي الذي كان يدافع عن مشروع حزبي لسنوات قد يصبح بعد أشهر مدافعاً عن مشروع آخر، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يثق في “البرامج”.
دافع السنتيسي عن تجربته البرلمانية، مستعرضاً ما قال إنها حصيلة تضم 145 مقترح قانون، إلى جانب ما يقارب ألف مادة قانونية واشتغاله على عدد من الملفات التشريعية، ولا شك أن العمل التشريعي يمكن أن يكون معياراً مهماً في تقييم أداء أي برلماني، لكن هنا أيضاً ينبغي التمييز بين كثرة المبادرات وبين الأثر الفعلي.
فالمواطن لا يطلب فقط معرفة عدد مقترحات القوانين التي قدمها البرلماني، بل يسأل: كم منها أصبح قانوناً نافذاً؟ وما أثر هذه المبادرات على حياة المواطنين؟ وما هي الملفات التي تغيرت فعلياً بسبب هذا العمل البرلماني؟
فالسياسة لا تُختزل في الأرقام، كما أن السؤال البرلماني ليس إنجازاً بحد ذاته، ومقترح القانون لا يتحول تلقائياً إلى تغيير في حياة المواطن، ولهذا فإن كل سياسي يدخل مرحلة طلب تجديد الثقة مطالب بتقديم حصيلة قابلة للقياس، لا مجرد أرقام تحتاج بدورها إلى وضعها في سياق النتائج.
حديث السنتيسي عن ضرورة تجنب الأجواء التي تنفر المواطنين من الانتخابات صحيح، لكنه لا ينبغي أن يتوقف عند الصراعات السياسية، فأزمة الثقة أعمق من ذلك، إنها أزمة مرتبطة أيضاً بطريقة صناعة النخب، بطريقة توزيع التزكيات، بطريقة انتقال السياسيين بين الأحزاب، وبالفجوة بين الخطاب الانتخابي والواقع بعد الانتخابات.
فلا يمكن مطالبة المواطن بالثقة في المؤسسات السياسية، بينما يشعر بأن بعض الأحزاب تتحول مع اقتراب الانتخابات إلى ما يشبه سوقاً مفتوحاً لاستقطاب الأسماء والمنتخبين، فالسياسة ليست فريق كرة قدم ينتظر فترة الانتقالات، والحزب ليس مجرد قميص يمكن تغييره عند تغير الحسابات.
لأن ما قد يبدو بالنسبة للسياسي “اختياراً شخصياً” قد يبدو بالنسبة للمواطن دليلاً جديداً على أن المصالح والمواقع أصبحت أقوى من الانتماءات والمبادئ.
ربما كان الأجدر بكل السياسيين، ومن بينهم إدريس السنتيسي، قبل دعوة المواطنين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، أن يتوقفوا عند سؤال الثقة، فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى حملات تحثهم على التصويت، إنهم يحتاجون إلى أسباب تجعلهم يرغبون في التصويت.
والسبب الأول هو أن يشعر المواطن بأن صوته سيذهب إلى ممثل يدافع عن مشروع سياسي واضح، لا إلى سياسي قد يجد نفسه بعد سنوات في حزب آخر يدافع عن مشروع مختلف.
قد تكون للسنتيسي مبرراته في مغادرة الحركة الشعبية والانضمام إلى حزب الاستقلال، ومن حقه أن يشرحها، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل، دون أن يُتهم بسوء الفهم: إذا كان الانتقال من حزب إلى آخر لا يسمى ترحالاً، فما هو الترحال السياسي إذن؟
إن أخطر ما يهدد المشاركة الانتخابية ليس فقط الصراخ والتجاذب بين السياسيين، بل ذلك المشهد المتكرر الذي يجعل المواطن يشعر بأن الأحزاب تتغير، والتحالفات تتغير، والمرشحون ينتقلون، بينما يبقى هو مطالباً دائماً بالثقة.
والثقة، قبل أن تُطلب من المواطن، يجب أن تُبنى بالفعل السياسي، فالمواطن لن يعود إلى صناديق الاقتراع بسبب كثرة النداءات، بل عندما يقتنع بأن السياسيين أنفسهم توقفوا عن التعامل مع الأحزاب باعتبارها محطات عبور، وبدأوا التعامل معها باعتبارها التزامات سياسية وأخلاقية أمام الناخبين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد