التعليم العالي على صفيح ساخن.. نقابة FNE تتهم الوزارة بالتسويف والانفراد بالقرار وتلوّح بالتصعيد

هبة زووم – الرباط
يبدو أن قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار يتجه نحو موسم جديد من الاحتقان، في وقت يفترض أن تكون فيه الوزارة الوصية منشغلة بتوفير شروط إصلاح جامعة عمومية تعاني أصلا من اختلالات متراكمة، فبدل أن يتحول الحوار الاجتماعي إلى آلية لمعالجة الملفات العالقة، تتهم النقابة الوطنية للعاملين بالتعليم العالي، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للتعليم FNE، الوزارة بتكريس سياسة التسويف والمماطلة والانفراد بالقرار، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: إلى متى ستظل مطالب العاملين بالقطاع مؤجلة؟
بلاغ النقابة، الصادر من الرباط، لم يترك مجالاً كبيراً للتأويل، إذ تحدث عن وضع مقلق داخل الجامعات والأحياء الجامعية، وعن حوار قطاعي لم يفض، بحسب النقابة، إلى نتائج ملموسة، مقابل استمرار القرارات الأحادية وتهميش الشركاء الاجتماعيين.
وإذا كانت الوزارة تعتبر الحوار الاجتماعي جزءاً من منهجية التدبير، فإن ما تقوله النقابة يرسم صورة مختلفة تماماً: لقاءات بلا نتائج، ووعود بلا تنفيذ، وملفات مطلبية تبقى معلقة كلما اقترب موعد الحسم فيها.
ومن بين الملفات التي أعادت النقابة وضعها في صلب المواجهة، التأخر في إصدار المرسوم المتعلق بتنفيذ الزيادة في الأجور بمبلغ ألف درهم، ابتداءً من يوليوز 2026، وفق ما تقول النقابة إنه التزام سبق الإعلان عنه رسمياً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما قيمة الالتزامات الحكومية إذا تحولت إلى وعود مؤجلة؟ وكيف يمكن مطالبة الموظفين بالانخراط في إصلاح القطاع، بينما تظل حقوقهم المالية نفسها رهينة التأخير الإداري؟
فالزيادة ليست منحة استثنائية، ولا امتيازاً يمكن التراجع عنه متى شاءت الإدارة، بل التزام يفترض أن يجد طريقه إلى التنفيذ في الآجال المعلنة.
أما النظام الأساسي الجديد، فيبدو أنه تحول بدوره إلى واحد من الملفات التي طال انتظارها. والنقابة تتحدث عن مماطلة غير مبررة في إخراج نظام أساسي عادل ومنصف ومحفز.
وهنا تتكرر القصة نفسها التي تعرفها قطاعات عمومية كثيرة: سنوات من الانتظار، وجولات من الحوار، ولجان واجتماعات وتصريحات، بينما يبقى الموظف في نهاية المطاف أمام السؤال نفسه: متى سيتم الحسم؟
إن إصلاح التعليم العالي لا يمكن أن يبدأ من الشعارات الكبرى حول الجودة والبحث العلمي والابتكار، بينما يظل العاملون داخل المؤسسات يعيشون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم المهني.
لكن أخطر ما جاء في بلاغ النقابة يتعلق بالتوسع في التدبير المفوض والمناولة داخل مؤسسات التعليم العالي والأحياء الجامعية، في خدمات السكن والتغذية والنظافة والحراسة والبستنة وغيرها.
النقابة تدق ناقوس الخطر بشأن ما تعتبره تكريساً للهشاشة الوظيفية والاجتماعية، وتحويل فئات واسعة من العاملين إلى أجراء مؤقتين يفتقرون إلى الاستقرار والحماية.
وهنا ينبغي طرح السؤال بوضوح: هل أصبح إصلاح الجامعة العمومية يمر عبر تفكيك الاستقرار المهني وتحويل الخدمات الأساسية إلى سوق مفتوحة لشركات المناولة؟
فالمشكل ليس في الاستعانة بالقطاع الخاص في حد ذاتها، وإنما في غياب تقييم شفاف لما تفرزه هذه الاختيارات على أوضاع العاملين وجودة الخدمات والمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات العمومية، ولا يعقل أن تتحول الجامعة، التي يفترض أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة، إلى نموذج لتوسيع الهشاشة المهنية.
ومن المفارقات التي أثارتها النقابة فرض رسوم مالية وصفتها بالمرتفعة على الموظفين الراغبين في استكمال دراساتهم العليا ضمن نظام “التوقيت الميسر”، وهنا تبدو الصورة أكثر غرابة: الدولة تتحدث عن التكوين المستمر وتأهيل الموارد البشرية، ثم يجد الموظف نفسه مطالباً بأداء رسوم إضافية من أجل تطوير مؤهلاته العلمية، فهل أصبح التكوين امتيازاً لمن يستطيع الدفع؟
إن الموظف الذي يسعى إلى تطوير مستواه العلمي لا ينبغي أن يعامل باعتباره زبوناً داخل مؤسسة عمومية، بل باعتباره مورداً بشرياً يفترض أن تستثمر الدولة في تكوينه وتأهيله.
كما أعادت النقابة فتح ملف الامتحانات المهنية، مطالبة بإعادة النظر في هندستها وطريقة تنظيمها وتدبيرها، بما يضمن تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية، وهو مطلب يكشف أن أزمة الثقة لا تتوقف عند الحوار الاجتماعي أو الأجور، بل تمتد إلى آليات الترقية نفسها، فحين يفقد الموظف الثقة في شروط الامتحان وفي معايير التقييم، يصبح الحديث عن الاستحقاق مجرد شعار إداري فاقد للمضمون.
الرسالة التي يبعث بها بلاغ النقابة واضحة: الاحتقان وصل إلى مستوى لم يعد معه الصمت ممكناً، والنقابة أعلنت صراحة استعدادها لخوض معارك نضالية وتصعيدية دفاعاً عن الحقوق والمكتسبات.
لكن المسؤولية لا تقع على النقابة وحدها، فالوزارة الوصية مطالبة اليوم بتقديم أجوبة واضحة، لا بيانات عامة ولا وعود مؤجلة، متى سيصدر النظام الأساسي؟ متى ستنفذ الزيادة المالية الموعود بها؟ ما مصير العاملين في شركات المناولة؟ ولماذا يتم اتخاذ قرارات مصيرية دون حوار فعلي مع ممثلي العاملين؟
إن الجامعة العمومية لا يمكن إصلاحها بمنطق المكاتب المغلقة والقرارات الجاهزة. كما لا يمكن بناء تعليم عالٍ قوي بينما يعيش العاملون فيه على وقع الاحتقان والتهميش وانتظار الوعود.
فإما أن تختار الوزارة حواراً حقيقياً يؤدي إلى قرارات وتنفيذ، وإما أن تستمر في سياسة التأجيل، مع ما يعنيه ذلك من اتساع رقعة الاحتجاج، والواضح أن العاملين بالتعليم العالي بدأوا يفقدون صبرهم، فهل تتحرك الوزارة قبل أن يتحول الاحتقان إلى مواجهة مفتوحة؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت الحكومة ستختار طريق الحوار والحلول، أم ستواصل إدارة الأزمة بمنطق الانتظار… إلى أن يصبح التصعيد هو اللغة الوحيدة المتبقية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد