لماذا بقيت النقابة الوطنية للتعليم العالي خارج وقفة 23 غشت؟ الصمت يفتح نقاش الاستقلالية والحسابات السياسية

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تتسع فيه دائرة التعبئة النقابية والسياسية والشبابية ضد فرض رسوم على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم بالتوقيت الميسر، يبرز سؤال لافت داخل الساحة الجامعية: أين تقف النقابة الوطنية للتعليم العالي؟ ولماذا لم يصدر عن جهازها الوطني، إلى حدود الآن، موقف واضح يدعو إلى المشاركة في وقفة 23 غشت أمام البرلمان؟
المفارقة تبدو أكثر وضوحاً لأن القضية تمس صميم وظيفة الجامعة العمومية ومبدأ مجانية التعليم، وهي ملفات يفترض أن تكون في قلب اهتمامات النقابة الأكثر تمثيلية للأساتذة الباحثين. وفي المقابل، أصدرت مكونات وتيارات داخل النقابة مواقف واضحة؛ فقد أعلن تيار الأساتذة الباحثين التقدميين دعمه للوقفة، ودعا إلى المشاركة فيها، معتبراً الدفاع عن مجانية التعليم ورفض تسليع الجامعة جزءاً من معركته النقابية.
وهنا تطرح المفارقة نفسها بقوة: إذا كان أحد التيارات المنتمية إلى النقابة يرى أن الرسوم تهدد مجانية التعليم، فلماذا لم يتحول هذا الموقف إلى قرار مؤسساتي صادر عن المكتب الوطني؟ هل يتعلق الأمر باختلاف في التقدير النقابي؟ أم بحسابات مرتبطة بالحوار مع الوزارة؟ أم أن التعدد السياسي والتنظيمي داخل النقابة أصبح عائقاً أمام اتخاذ مواقف موحدة في القضايا الوطنية الكبرى؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن النقابة الوطنية للتعليم العالي اختارت خلال الأشهر الأخيرة الحفاظ على قناة الحوار القطاعي مع الوزارة، رغم تسجيلها مواقف قوية ضد عدد من اختيارات الحكومة، فقد سبق للنقابة أن خاضت إضرابات واحتجاجات ضد تمرير القانون 59.24، واحتجت على ما اعتبرته إخلالاً بالمقاربة التشاركية. كما برز داخلها نقاش حول ضرورة التهدئة والحفاظ على مسار الحوار، خصوصاً مع اقتراب نهاية السنة الجامعية.
وهذا ما يجعل تفسير الغياب عن محطة 23 غشت أكثر تعقيداً من مجرد القول بوجود “تواطؤ” أو “دعم للحكومة”، فالنقابة سبق أن اصطدمت بالحكومة وخاضت ضدها معارك وطنية، وبالتالي فإن السؤال الأكثر دقة هو: لماذا اختارت في هذه اللحظة تحديداً عدم الانضمام إلى هذه الجبهة الاحتجاجية الواسعة؟
وتزداد حساسية السؤال بسبب التركيبة السياسية المتعددة داخل النقابة. فقد أوردت مصادر صحفية أن المكتب الوطني يضم مكونات مرتبطة بعدد من أحزاب المعارضة والتيارات السياسية، مع غياب تمثيلية واضحة لأحزاب الأغلبية الحكومية في المكتب الوطني، ما يجعل اتخاذ قرار موحد بشأن المحطات الاحتجاجية الكبرى عملية شديدة التعقيد.
لكن استقلالية النقابة عن الأحزاب تظل، في نهاية المطاف، المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه. فحتى عندما يكون لأعضاء القيادة أو المنخرطين انتماءات سياسية مختلفة، يفترض أن يصدر القرار النقابي انطلاقاً من المصلحة المهنية والاجتماعية للأساتذة والجامعة، لا من حسابات حزبية. وقد أثار هذا الموضوع نفسه جدلاً سابقاً، عندما نُسب إلى قيادة حزبية حديث عن دور الحزب في الحوار مع وزير التعليم العالي باسم النقابة، وهو ما أثار انتقادات حول ضرورة الفصل بين العمل الحزبي والنقابي.
ومن هنا، فإن غياب قرار وطني واضح لا يعني بالضرورة أن النقابة تدعم رسوم التوقيت الميسر، كما لا يثبت وجود اتفاق سري مع الوزارة. لكن الصمت في قضية بهذه الحساسية يظل في حد ذاته موقفاً يحتاج إلى تفسير سياسي ونقابي واضح، خصوصاً أن أطرافاً نقابية وحزبية وشبابية متعددة أعلنت صراحة رفضها للرسوم، بينما أصبح الاحتجاج أمام البرلمان محطة وطنية تتقاطع فيها مواقف متباينة حول مجانية التعليم.
والأكثر إحراجاً للنقابة أن النقاش لا يتعلق بمطلب فئوي محدود للأساتذة الباحثين، وإنما بمستقبل الجامعة العمومية وحق فئات من الموظفين والأجراء في استكمال دراستهم، فإذا كانت النقابة تعتبر الجامعة فضاءً عمومياً مفتوحاً للجميع، وإذا كانت تدافع عن جودة التعليم وتكافؤ الفرص، فإن الرأي العام الجامعي ينتظر منها جواباً واضحاً: هل ترفض فرض الرسوم؟ وهل تدعم الاحتجاج ضدها؟ وإذا كانت ترفض، فلماذا لم تعلن ذلك مؤسساتياً؟
المعركة إذن لا تكشف فقط الخلاف حول “التوقيت الميسر”، بل تكشف أيضاً أزمة أعمق تتعلق بقدرة التنظيمات النقابية على اتخاذ مواقف مستقلة وموحدة في القضايا التي تتجاوز مطالبها المهنية المباشرة. فحين تصمت أكبر نقابة تمثل الأساتذة الباحثين، بينما تتحرك تيارات داخلها وأحزاب ونقابات أخرى في الاتجاه المعاكس، يصبح الصمت نفسه موضوعاً للنقاش.
وفي انتظار موقف رسمي صريح من النقابة الوطنية للتعليم العالي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتعلق الأمر باختيار تكتيكي للحفاظ على قنوات الحوار مع الوزارة، أم بخلافات داخلية حول طريقة تدبير الملف، أم بحسابات سياسية مرتبطة بتوازنات القيادة؟ وحده قرار مؤسساتي واضح يمكن أن يضع حداً لهذا الجدل.
وفي كل الأحوال، فإن محطة 23 غشت ستكون اختباراً حقيقياً ليس فقط للحكومة وللقوى المحتجة، وإنما أيضاً للنقابة الوطنية للتعليم العالي: هل ستختار الانخراط في معركة الدفاع عن مجانية التعليم إلى جانب مكونات جامعية ونقابية متعددة، أم ستواصل إدارة الملف من داخل قنوات الحوار بعيداً عن الشارع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد