هبة زووم – مراكش
تعيش مدينة مراكش على وقع تحولات عمرانية متسارعة، وتبدو، من خلال واجهتها المركزية ومحاورها الكبرى، وكأنها تسير بثبات نحو مدينة حديثة تتوفر على بنية حضرية قادرة على مواكبة النمو السكاني والاقتصادي والسياحي.
لكن خلف هذه الصورة اللامعة، التي تتركز أساساً في قلب المدينة والمحاور الكبرى، توجد مراكش أخرى لا تظهر في الصور الرسمية ولا في واجهات المشاريع الكبرى: مراكش الضواحي والهوامش، حيث لا يزال آلاف المواطنين يدفعون يومياً ثمن أزمة نقل عمومي مزمنة، وحيث أصبح “التريبورتور” في بعض المناطق بديلاً اضطرارياً عن وسائل النقل المنظمة.
إن المفارقة الصادمة هي أن مدينة تستعد باستمرار لاستقبال ملايين الزوار وتتباهى بمكانتها السياحية الدولية، لا يزال جزء من سكانها يجد صعوبة في الوصول إلى مركز المدينة في ظروف تحفظ الحد الأدنى من الكرامة.
فمع التوسع العمراني الكبير الذي عرفته مراكش خلال السنوات الأخيرة، ظهرت تجمعات وأحياء سكنية جديدة في المناطق الطرفية. غير أن هذا التوسع لم تواكبه، بالسرعة نفسها، شبكة نقل عمومي قادرة على ربط هذه الأحياء بمراكز العمل والإدارة والتعليم والخدمات.
والنتيجة؟ رحلة يومية قد تستغرق ساعتين أو أكثر، وتنقل مرهق يفرض على المواطن استعمال وسيلتين أو ثلاث وسائل نقل في الاتجاه الواحد.
“تريبورتور” للوصول إلى الطريق الرئيسية، ثم حافلة أو سيارة أجرة، وربما حافلة ثانية للوصول إلى مقر العمل أو الدراسة، إنها ليست رحلة تنقل عادية، بل سلسلة يومية من الانتظار والتدافع والبحث عن وسيلة نقل متاحة.
فحين يصبح “التريبورتور”، وهو في الأصل وسيلة مخصصة لاستعمالات أخرى، جزءاً من منظومة التنقل اليومي للمواطنين، فإن ذلك لا ينبغي تقديمه باعتباره مجرد سلوك اجتماعي عادي.
إنه مؤشر على وجود فراغ، فراغ تركه النقل العمومي، وملأته وسائل غير منظمة لأن السكان لا يملكون ترف الانتظار، فالمواطن الذي يحتاج إلى الوصول إلى عمله أو مدرسته أو المستشفى لن يسأل كثيراً عن فلسفة التخطيط الحضري، بل سيبحث عن أي وسيلة توصله إلى وجهته.
وهنا تتحول الحاجة إلى سوق مفتوحة للفوضى، وسائل نقل غير منظمة، طوابير طويلة، تدافع، تغير في المسارات، وصعوبات متزايدة في أوقات الذروة، بينما يجد المواطن نفسه مضطراً للقبول بما هو متاح.
الأزمة لا تتعلق بالوقت فقط، فكل وسيلة نقل إضافية تعني تكلفة إضافية، وكل تحويل في المسار يعني مصاريف جديدة، وبالنسبة إلى العامل البسيط أو الموظف محدود الدخل، تتحول كلفة التنقل الشهرية إلى جزء ثقيل من الميزانية، خصوصاً عندما يحتاج إلى استعمال أكثر من وسيلة في الذهاب والمثل في العودة.
وبين أسعار سيارات الأجرة والحافلات والتنقلات الصغيرة، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط: كم يجب أن ينفق من أجره فقط من أجل الوصول إلى عمله؟
إن النقل العمومي ليس خدمة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد اكتمال المشاريع الكبرى، إنه أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فالعامل الذي لا يستطيع الوصول إلى عمله بسهولة يدفع الثمن، والتلميذ الذي يقضي ساعات في الطريق يدفع الثمن، والمريض الذي يجد صعوبة في الوصول إلى المستشفى يدفع الثمن، وفي النهاية، فإن سكان الضواحي هم دائماً من يدفعون الفاتورة الأكبر.
لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم به سيارات الأجرة في تخفيف جزء من الضغط عن النقل داخل مراكش وضواحيها، خصوصاً في المناطق التي لا تصل إليها الحافلات بشكل كاف، لكن الاعتماد على سيارات الأجرة لسد خلل هيكلي في النقل العمومي لا يمكن أن يكون سياسة دائمة.
فالساكنة تشتكي، بحسب المعطيات المتداولة، من صعوبة العثور على سيارات في أوقات الذروة، ومن تفضيل بعض السائقين للرحلات القصيرة، ومن الاضطرار أحياناً إلى تغيير وسيلة النقل أكثر من مرة.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً بين ندرة الحافلات، وطوابير الانتظار، وارتفاع كلفة التنقل، والبحث اليومي عن أي وسيلة توصله إلى وجهته.
المدينة اليوم تبدو وكأنها تتحرك بسرعتين، سرعة أولى في المركز والمحاور الكبرى، حيث تتجمع المشاريع والاهتمام والاستثمارات والبنيات الحديثة، وسرعة ثانية في الهوامش، حيث يظل المواطن ينتظر حافلة قد لا تأتي، أو سيارة أجرة قد لا تتوقف، أو يلجأ في النهاية إلى “التريبورتور” لأنه لا يملك خياراً آخر.
وهنا يجب أن تطرح المؤسسات المسؤولة سؤالاً واضحاً: كيف يمكن الحديث عن مدينة حديثة إذا كان جزء من سكانها يعيش عزلة يومية بسبب غياب وسائل نقل كافية؟ فالتنمية الحضرية لا تقاس فقط بعدد الطرق التي تم تعبيدها أو المشاريع التي تم تدشينها في قلب المدينة.
التنمية الحقيقية تقاس أيضاً بقدرة المواطن البسيط على الوصول إلى عمله ومدرسته ومستشفاه في وقت معقول وبكلفة معقولة وفي ظروف تحفظ كرامته.
إن سكان ضواحي مراكش لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود ولا إلى حلول مؤقتة تظهر كلما ارتفعت أصوات الاحتجاج، والمطلوب هو رؤية حقيقية للنقل الحضري ترافق التوسع العمراني بدل أن تأتي بعد وقوع الأزمة.
حافلات إضافية، خطوط مباشرة تربط الضواحي بالمحاور الكبرى، نقاط ربط منظمة، احترام التوقيت، وتوسيع شبكة النقل إلى المناطق التي ظلت خارج التغطية.
فلا يعقل أن تتوسع الأحياء بسرعة بينما تبقى وسائل النقل جامدة، ولا يعقل أن تتحول الضواحي إلى خزانات سكنية ضخمة دون توفير الحد الأدنى من الخدمات التي تجعل الحياة فيها ممكنة.
لقد آن الأوان لأن تدرك الجهات المسؤولة أن “التريبورتور” ليس حلاً لأزمة النقل، بل دليل صارخ عليها، وأن المواطن المراكشي لا يطالب بامتياز، بل بحقه الطبيعي في التنقل الكريم.
فمراكش التي تريد أن تكون مدينة عالمية لا يمكن أن تترك سكان هوامشها يخوضون يومياً رحلة طويلة بين الانتظار والتدافع ووسائل النقل غير المنظمة.
فالمدينة لا تصبح حديثة فقط عندما تلمع شوارع مركزها، بل عندما يصل سكان أبعد أحيائها إلى حقوقهم دون أن تتحول الرحلة إلى معركة يومية من أجل الوصول.
تعليقات الزوار