اليحياوي يقارن بين انتخابات فرنسا والمغرب: هناك يتنافس أصحاب المشاريع وهنا وجوه نعرف كذبها ونفاقها

هبة زووم – الرباط
في تدوينة قاسية لا تخلو من مرارة، عقد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي مقارنة صادمة بين ما تابعه من نقاش سياسي جمع عددا من المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، وبين ما يراه من حركية انتخابية بالمغرب، ليخلص إلى أن الفارق لا يتعلق فقط بالأشخاص أو بأساليب التواصل السياسي، بل بطبيعة التصور نفسه للسياسة وللمنافسة على تدبير الشأن العام.
وقال اليحياوي إنه تابع ندوة حوارية جمعت سبعة مرشحين للرئاسيات الفرنسية، أمام جمهور واسع ضم مواطنين وفاعلين اقتصاديين وأصحاب مقاولات، حيث بدا النقاش، بحسب تعبيره، أقرب إلى مواجهة بين خبراء يحمل كل واحد منهم تصورا متكاملا للبلد، أكثر منه مجرد لقاء دعائي بين سياسيين يبحثون عن التصفيق.
وتوقفت المناظرة، وفق تدوينته، عند ملفات دقيقة ومعقدة، من قبيل نظام الحماية الاجتماعية، والأجور والضرائب والتعويضات، وحماية القدرة الشرائية في مواجهة التضخم، وإصلاح منظومة التقاعد، وتدبير البنيات الكبرى، وتشغيل الشباب، والتحول البيئي، والهجرة غير النظامية، إلى جانب كيفية التحكم في الدين العمومي.
وهي ملفات، يرى اليحياوي، لا يمكن تناولها بالشعارات العامة أو بالوعود الفضفاضة، بل تحتاج إلى معرفة دقيقة وخبرة ورؤية وبرنامج واضح، لأن من يطلب تفويضا لتدبير دولة يفترض فيه أن يشرح للناس ماذا سيفعل، وكيف سيفعله، ومن أين سيأتي بالموارد اللازمة لتنفيذ وعوده، لكن الباحث ما إن عاد، في تعبيره الساخر، إلى “أرض الوطن”، حتى وجد نفسه أمام مشهد انتخابي مختلف تماما.
لقاءات جماهيرية وصفها بـ”الماسخة”، ووجوه سياسية اعتاد عليها المغاربة، يعرفون تاريخها وخطاباتها، بينما تغيب، حسب انتقاده، المحاسبة الجدية لمن سبق أن تحمل المسؤولية، كما تغيب البرامج الواضحة لدى من يريد العودة إلى الحكم أو الوصول إليه لأول مرة.
وبدل أن يحتل النقاش حول التعليم والصحة والشغل والقدرة الشرائية والإصلاحات الكبرى صدارة الحملة السياسية، يرى اليحياوي أن جزءا مهما من المشهد بات منشغلا بالترحال بين الأحزاب وبالمعارك المتبادلة والاتهامات السياسية.
ويتوقف صاحب التدوينة عند الصراع المتصاعد بين بعض مكونات الأغلبية، حيث يتبادل حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار الاتهامات، من الحديث عن الترهيب إلى الحديث عن “التفراقشيت”، في وقت يرى فيه اليحياوي أن هذا السجال يتجاهل، بحسب قراءته، ملفات المصالح والامتيازات والصفقات التي استفادت منها أطراف متعددة داخل المشهد السياسي والاقتصادي.

ومن هنا، يوجه الباحث انتقادا أوسع لما يعتبره حالة من الإنكار الجماعي، قائلا إن المغاربة، في نظره، «يكذبون على أنفسهم وعلى بعضهم البعض»، لأن الجميع يدرك أن هناك اختلالات عميقة في الطريق الذي يسلكه العمل السياسي، ومع ذلك يستمر السلوك نفسه، بالأدوات نفسها، وبالنخب نفسها، وكأن شيئا لم يقع.
فالسياسة، كما يطرحها اليحياوي، ليست مناسبة لتبادل الاتهامات، ولا سوقا للترحال الحزبي، ولا مجرد سباق نحو المقاعد والمواقع، وإنما هي أولا وقبل كل شيء تنافس بين مشاريع مختلفة حول كيفية إدارة الدولة والمجتمع.
أما أن تتشابه الأحزاب في غياب الرؤية، ثم تختلف حول المواقع والغنائم، وأن ينتقل السياسي من حزب إلى آخر دون أن يقدم للناخبين تفسيرا فكريا أو سياسيا لذلك، فإن النتيجة، وفق هذا المنطق، ستكون مزيدا من فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها.
ويصل اليحياوي في خاتمة تدوينته إلى صورة بليغة عن واقع يدرك فيه الجميع، حسب رأيه، أنهم يسيرون في الطريق الخطأ، وتأتيهم “الإشارات الحمراء” تباعا، لكنهم لا يتوقفون لمراجعة المسار.
بل إن الأخطر، بالنسبة إليه، ليس في الخطأ ذاته، وإنما في الإصرار عليه، وفي محاولة تجميله بالشعارات والخطابات، وفي المكابرة رغم وضوح المؤشرات الاجتماعية والسياسية التي تقول إن كثيرا مما يحتاجه المغرب ليس المزيد من الوجوه نفسها، بل مراجعة حقيقية لطريقة إنتاج النخب، ولمعنى الانتخابات، ولدور الأحزاب، وللعلاقة بين السياسة والمصلحة العامة.
وبين مناظرات تدور حول الضرائب والتقاعد والدين العمومي والتشغيل، وبين لقاءات انتخابية يغيب عنها البرنامج وتحضر فيها الحسابات والاتهامات والترحال، تبدو المقارنة التي أراد اليحياوي رسمها مؤلمة.
مؤلمة لأن السؤال لم يعد فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل أصبح، كما توحي به تدوينته: هل نعرف أصلا إلى أين نسير، أم أننا نواصل السير في الطريق الخطأ ونحن نرى الإشارات الحمراء أمامنا؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد