هبة زووم – محمد أمين
تعيش مدينة الناظور على وقع تحول عمراني متسارع، تحول يفترض أن يكون عنوانا للتنمية والتحديث، لكنه أصبح في نظر عدد من المتتبعين للشأن المحلي مصدر قلق متزايد، في ظل ما يوصف بتمدد المصالح العقارية وتزايد الضغط الإسمنتي على المدينة، مقابل غياب رؤية واضحة وحازمة قادرة على ضبط هذا التوسع قبل أن يتحول إلى أزمة حضرية يصعب إصلاح آثارها.
فالمدينة لم تعد كما كانت قبل سنوات. أحياء جديدة تتمدد، ومشاريع عقارية تتكاثر، والطلب على البناء والسكن يتزايد، فيما تزداد الأسئلة حول مدى قدرة السلطات المحلية والإقليمية على مواكبة هذه التحولات، وعلى رأسها عامل الإقليم جمال الشعراني، الذي يجد نفسه اليوم أمام امتحان حقيقي يتعلق بمدى قدرته على فرض الحكامة وحماية المدينة من منطق الفوضى والمصالح الضيقة.
ولا يكفي في هذا السياق الحديث عن رقمنة الإدارة أو الترويج لمنصة «رخص» باعتبارها حلا سحريا لمشاكل التعمير، فالرقمنة قد تسهل معالجة الملفات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الاختلالات إذا غابت المراقبة الصارمة والإرادة الإدارية والشفافية في اتخاذ القرار.
فالمشكل ليس فقط: كيف تُمنح الرخص؟ بل الأهم: ماذا يُبنى؟ وأين؟ ولمن؟ وعلى حساب ماذا؟ هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تطرح اليوم بقوة في الناظور.
إن المدينة التي تفتح أبوابها أمام التوسع العمراني دون أن توازي ذلك بتوفير الطرق والمرافق الصحية والمؤسسات التعليمية ووسائل النقل والمساحات الخضراء، لا تصنع تنمية، بل تؤجل الأزمة فقط إلى المستقبل.
والخطر الحقيقي أن يتحول التعمير إلى مجرد عملية حسابية بين قطعة أرض ورخصة بناء ومشروع عقاري، بينما يتم تجاهل حق المواطن في مدينة قابلة للعيش.
فلا معنى لأحياء إسمنتية جديدة إذا كان سكانها سيواجهون بعد سنوات الاختناق المروري، وضعف شبكات التطهير، ونقص المدارس والمراكز الصحية وغياب الفضاءات العمومية.
وهنا تبرز مسؤولية العامل الشعراني، ليس باعتباره متفرجا على تحولات المدينة، وإنما باعتباره ممثلا للسلطة الترابية والدولة داخل الإقليم، ومطالبا بضمان احترام القانون وتنسيق تدخلات مختلف المؤسسات.
إن الحديث المتداول محليا عن قوة وتأثير المصالح المرتبطة بالعقار يفرض على السلطات أن تقدم أجوبة عملية، لا أن تترك المجال للشائعات والتأويلات والشكوك، فكلما غابت المعلومة والشفافية، اتسعت دائرة الشك، وكلما تأخر الحزم، ترسخ الاعتقاد بأن بعض الجهات أقوى من المؤسسات.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إصدار المزيد من البلاغات حول الرقمنة وتحديث الإدارة، بل فتح نقاش حقيقي حول مستقبل الناظور العمراني، ومراجعة المشاريع المنجزة والقادمة، والتأكد من احترام وثائق التعمير، وربط كل توسع جديد بتوفير البنيات والخدمات الضرورية.
الناظور لا تحتاج إلى مدينة أكبر فقط، بل إلى مدينة أفضل، مدينة لا يحدد مستقبلها من يملك أكبر رصيد عقاري، ولا من يستطيع الوصول إلى مراكز القرار، وإنما مدينة تكون فيها المصلحة العامة فوق كل الحسابات.
فإذا كان الاستثمار العقاري ضروريا، فإنه لا يمكن أن يتحول إلى سلطة موازية تفرض إيقاعها على المدينة، وإذا كانت التنمية العمرانية مطلوبة، فلا ينبغي أن تكون على حساب البيئة وحق السكان في النقل والمرافق والخدمات.
اليوم، يقف العامل جمال الشعراني أمام سؤال واضح لا يمكن للهروب إلى لغة الرقمنة أن يؤجله: هل تستطيع السلطة الإقليمية فرض منطق الحكامة والقانون على الجميع، أم أن لوبيات العقار أصبحت أقوى من قدرة الإدارة على حماية المدينة؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي.
لأن الناظور لا تحتاج إلى مزيد من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى قرار قوي، ورؤية واضحة، ومراقبة لا تستثني أحدا، فحين تتحول المدينة إلى مجال مفتوح للمصالح العقارية، يصبح المواطن آخر من يُسأل عن رأيه، وأول من يدفع ثمن الاختلالات.
وفي النهاية، فإن مستقبل الناظور لن يُقاس بعدد العمارات التي ارتفعت، بل بعدد المشاكل التي تم تجنبها قبل وقوعها، فهل تتدخل السلطة قبل أن تتحول فوضى اليوم إلى أزمة الغد؟
تعليقات الزوار