هبة زووم – الرباط
دخل ملف المتصرفين التربويين مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما قررت نقابتهم خوض وقفات احتجاجية حاشدة، يوم أمس الثلاثاء فاتح شتنبر 2026، أمام مقار المديريات الإقليمية، بالتزامن مع مقاطعة شاملة لاجتماعات الدخول المدرسي، في خطوة تعكس حجم الاحتقان الذي راكمته هذه الفئة بعد أكثر من سنة من الانتظار دون حلول ملموسة لملفها المطلبي.
ولم يعد الأمر يتعلق، وفق المعطيات الصادرة عن الهيئة النقابية، بمجرد اختلاف حول مطالب مهنية أو تعويضات مالية، بل باحتقان عميق مرتبط بما تعتبره النقابة استمراراً لتجاهل وزارة التربية الوطنية لمطالب فئة تضطلع بأدوار محورية في تدبير المؤسسات التعليمية وتنزيل مختلف أوراش الإصلاح.
وجاء هذا التصعيد عقب اجتماع المكتب الوطني للنقابة المنعقد يوم السبت 29 غشت 2026، والذي سجل رفضاً قاطعاً لما وصفه بمحاولات المساس بالمكانة المهنية والإدارية للمتصرف التربوي، فضلاً عن انتقاده لما اعتبره “عبثاً تدبيرياً” في تنزيل مشاريع الإصلاح داخل المنظومة التعليمية.
كما أعلنت النقابة رفضها لمشروع «مرسوم المؤسسة المندمج»، إلى جانب المادة 13 من المقرر الوزاري، معتبرة أن المرحلة الحالية تستوجب إعادة النظر في عدد من الاختيارات التي يتم تنزيلها، بدل الاستمرار في إصدار قرارات ومشاريع دون توفير الشروط المهنية والتنظيمية الكفيلة بإنجاحها.
وطالبت الهيئة النقابية بالإسراع في إحداث نظام أساسي عادل ومنصف للمتصرفين التربويين، يضمن تعويضات تتناسب مع طبيعة المهام وحجم المسؤوليات التي يتحملونها داخل الإدارة التربوية.
فالمتصرف التربوي، الذي يوجد في قلب عملية التدبير اليومي للمؤسسات التعليمية، يجد نفسه، بحسب النقابة، مطالباً بتحمل مسؤوليات متزايدة، مقابل استمرار اختلالات مرتبطة بالوضعية المهنية والتعويضات والاعتراف الحقيقي بحجم الأدوار المنوطة به.
كما دعت النقابة إلى فتح تحقيق شفاف في الاختلالات التي شابت الحركة الانتقالية، إلى جانب ما أثير بشأن التلاعب في صرف عدد من المستحقات والتعويضات المتأخرة، وهي ملفات تقول النقابة إنها لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل أو المعالجة الجزئية.
ويأتي هذا الاحتجاج في توقيت شديد الحساسية، مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، وهو ما يضع وزارة التربية الوطنية أمام مسؤولية مباشرة في معالجة أسباب التوتر، بدل انتظار اتساع دائرة الاحتجاج وتحول الدخول المدرسي إلى محطة جديدة للصراع بين الإدارة والموظفين.
فالاحتجاج أمام المديريات الإقليمية ومقاطعة اجتماع الدخول المدرسي ليسا مجرد خطوة رمزية، بل رسالة واضحة مفادها أن سياسة الانتظار لم تعد مقبولة لدى المتصرفين التربويين.
ومن الصعب الحديث عن إصلاح المدرسة العمومية، أو تنزيل مشاريع كبرى لتطوير منظومة التعليم، في الوقت الذي تستمر فيه فئات أساسية داخل هذه المنظومة في التعبير عن شعورها بالتهميش وغياب الإنصاف.
ذلك أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يُدار فقط عبر المذكرات والمراسيم والاجتماعات المركزية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى موارد بشرية مستقرة، وإدارة تربوية تحظى بالاعتراف والتحفيز، وشركاء مهنيين يشعرون بأن صوتهم مسموع داخل دوائر القرار.
ودعت القيادة النقابية جميع المتصرفين التربويين إلى رص الصفوف والانخراط في البرنامج النضالي المقرر، من أجل الضغط على الوزارة الوصية لفتح حوار جدي ومسؤول، يفضي إلى نتائج عملية بدل الاكتفاء بالوعود والتأجيل.
واليوم، تبدو وزارة التربية الوطنية أمام سؤال واضح مع بداية الموسم الدراسي الجديد: هل ستتعامل مع احتجاج المتصرفين التربويين باعتباره مجرد محطة عابرة يمكن تجاوزها بالصمت، أم ستفتح باب الحوار الحقيقي قبل أن تتوسع دائرة الاحتقان داخل قطاع أنهكته سنوات من الملفات المؤجلة؟
فالمدرسة العمومية لا تحتاج فقط إلى إصلاح المناهج والبنيات والتجهيزات، بل تحتاج أيضاً إلى إنصاف من يدبرها يومياً، والمتصرفون التربويون، وهم يختارون الاحتجاج في فاتح شتنبر، يبدو أنهم أرادوا إيصال رسالة لا تحتمل التأويل: لا دخول مدرسي ناجح فوق أرضية مهنية مهتزة، ولا إصلاح حقيقياً بسياسة التجاهل.
تعليقات الزوار