هبة زووم – سطات
تتزايد بمدينة سطات، من حين إلى آخر، مظاهر توطين عدد من الأنشطة المهنية داخل الأحياء والتجزئات السكنية، في مشهد بات يثير قلقاً متنامياً في صفوف عدد من السكان، ويفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مدى احترام الضوابط القانونية والتنظيمية المرتبطة بالتعمير واستعمال العقارات وممارسة الأنشطة الاقتصادية.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الأحياء السكنية فضاءات مخصصة أساساً للسكن والعيش في ظروف تحترم السكينة والصحة والسلامة، يلاحظ السكان، بحسب شكاياتهم، تنامي بعض الورشات والأنشطة المهنية وسط التجمعات السكنية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول الجهات المكلفة بالمراقبة، وطبيعة التراخيص الممنوحة، ومدى مطابقة هذه الأنشطة لوثائق التعمير والاستعمالات المحددة للعقارات.
وتشمل الأنشطة التي يطالب السكان بتشديد المراقبة بشأنها ورشات لإصلاح الدراجات النارية، والخياطة، والنجارة، وصناعة الألمنيوم والحديد، فضلاً عن صناعة الأفرشة وغيرها من الأنشطة المهنية التي قد تختلف درجة تأثيرها على المحيط السكني بحسب طبيعتها وحجمها وطريقة اشتغالها.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض الاستثمار أو التضييق على المقاولات والحرفيين، بل بطرح سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن أن يتحول الحي السكني، بشكل تدريجي، إلى منطقة صناعية مصغرة خارج الضوابط القانونية؟
فالاستثمار وممارسة النشاط الاقتصادي حقان مشروعان، غير أن مشروعية النشاط لا تعني بالضرورة مشروعية ممارسته في أي مكان ودون شروط، فهناك وثائق للتعمير، واستعمالات محددة للعقارات، ورخص إدارية، وشروط تتعلق بالصحة والسلامة والبيئة، فضلاً عن مقتضيات مرتبطة بالشرطة الإدارية وحماية السكينة العامة وحقوق الجوار.
وتزداد حساسية الموضوع عندما تكون بعض الأنشطة مصدراً للضجيج، أو تستعمل مواد قابلة للاشتعال، أو تنتج مخلفات ونفايات، أو تستقطب حركة متواصلة للعربات، أو تشكل، في ظروف معينة، خطراً على سلامة السكان والممتلكات.
ومن هنا، فإن مطلب الساكنة لا ينبغي اختزاله في مجرد رفض وجود ورشات أو أنشطة مهنية، وإنما يرتبط أساساً بضرورة تطبيق القانون بشكل واضح ومتساوٍ على الجميع.
فإذا كان النشاط يتوفر على جميع التراخيص القانونية ويحترم وثائق التعمير وشروط السلامة والصحة وحقوق الجوار، فلا مبرر للتضييق عليه. أما إذا كان يزاول خارج الإطار القانوني أو في مكان لا يسمح باحتضانه، فإن الأمر يستوجب تدخل الجهات المختصة وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
وتطالب أصوات من داخل التجزئات السكنية بإجراء عملية افتحاص ومراقبة شاملة لمختلف الورشات والمعامل والأنشطة المهنية الموجودة داخل المناطق السكنية، مع التحقق من وضعيتها القانونية، وطبيعة التراخيص التي تتوفر عليها، ومدى احترامها لاستعمالات العقارات ووثائق التعمير المعتمدة.
كما يبرز مطلب آخر يتمثل في تنظيم معاينات ميدانية حقيقية من طرف لجان مشتركة تضم المصالح المختصة، بدل الاكتفاء بالمراقبة الورقية أو التدخلات الموسمية التي قد لا تعكس دائماً حقيقة الوضع على أرض الواقع.
فالرقابة الإدارية، في جوهرها، ليست أداة لمعاقبة المستثمرين أو الحرفيين، وإنما آلية لضمان احترام القانون وحماية المصلحة العامة وتحقيق التوازن بين حق النشاط الاقتصادي وحقوق السكان.
وفي المقابل، فإن أي قرار إداري يتخذ في هذا المجال يجب أن يستند إلى أسس قانونية وواقعية واضحة، وأن يكون معللاً ومحترماً للمساطر وحقوق جميع الأطراف. فلا المطلوب صناعة ضحايا إداريين، ولا منح حصانة لأي نشاط، وإنما إقرار قاعدة بسيطة: النشاط القانوني يُحمى، والمخالفة تُعالج وفق القانون.
وتبقى مسألة تعليل القرارات الإدارية المرتبطة بهذه الملفات عاملاً أساسياً في بناء الثقة بين الإدارة والمواطنين. فوضوح القرار وأسبابه يتيحان للمعنيين فهم خلفياته، كما يجعل الإدارة مسؤولة عن اختياراتها وقابلة للمساءلة بشأنها.
إن حماية الساكنة لا تعني خنق الاستثمار، كما أن تشجيع الاستثمار لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتضحية بحقوق السكان. وبين الطرفين توجد قاعدة يفترض أن تكون فوق الجميع: القانون.
فإذا كان الاستثمار حقاً، فإن السكينة حق أيضاً. وإذا كانت فرص الشغل ضرورة، فإن حماية الصحة والسلامة وحق المواطنين في العيش داخل أحياء تؤدي وظيفتها السكنية ليستا ترفاً.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينتظر جواباً عملياً بمدينة سطات لا يتعلق بمن يقف مع الاستثمار ومن يعارضه، وإنما يتعلق بمن يراقب، ومن يرخص، وعلى أي أساس يتم الترخيص، وهل تطبق القواعد والمعايير نفسها على جميع الأنشطة دون استثناء.
ذلك أن غياب الوضوح في هذه الملفات لا يضر بالسكان وحدهم، بل قد يضر أيضاً بأصحاب الأنشطة القانونية، لأن ترك المجال للغموض والانتقائية يخلق بيئة غير عادلة يستفيد فيها المخالف أكثر من الملتزم.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة واضحة وشفافة تعيد لكل فضاء وظيفته، وتحمي الاستثمار المشروع، وتصون في الوقت نفسه حق سكان سطات في أحياء آمنة وهادئة تحترم شروط العيش الكريم.
تعليقات الزوار