هبة زووم – محمد أمين
لم تعد المعركة الانتخابية في الجهة الشرقية مجرد صراع تقليدي بين الأحزاب والمرشحين حول البرامج والأفكار والأصوات، بل بدأت تطرح أسئلة أكثر خطورة تتعلق بمن يملك المال والنفوذ والقدرة على صناعة الحضور السياسي، ومن يقف في وجه محاولات تحويل الانتخابات إلى بوابة لشرعنة أسماء تحوم حولها الشبهات.
وفي قلب هذه الأسئلة يبرز اسم والي جهة الشرق، محمد العطفاوي، ليس باعتباره طرفاً سياسياً في الانتخابات، وإنما باعتباره المسؤول الإداري الأول المطالب بالسهر على احترام القانون، وضمان حياد الإدارة، وحماية شروط المنافسة الانتخابية العادلة.
فحين يسود الاعتقاد بأن الإدارة الترابية تفتقد إلى الحزم المطلوب، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً، بل سرعان ما تحاول شبكات النفوذ والمال ملأه. وحين لا تكون هناك يقظة استباقية تجاه الأسماء التي تحاول التسلل إلى المشهد السياسي، فإن الانتخابات نفسها تصبح معرضة لأن تتحول من تنافس حول البرامج إلى عملية لإعادة تدوير النفوذ ومنح شرعية انتخابية لمن لم يستطع فرض نفسه خارج صناديق الاقتراع.
ما يثير القلق في وجدة والجهة الشرقية هو ما يروج من حديث عن تحركات لأسماء تحوم حولها شبهات أو ترتبط، بحسب المتداول، بشبكات مصالح وأشخاص معروفين لدى الأجهزة المختصة، تسعى إلى الاقتراب من الأحزاب ومن المرشحين ومن مراكز القرار الانتخابي.
وهنا لا بد من التأكيد: الاشتباه ليس إدانة، والحديث عن علاقة أو نفوذ لا يعوض التحقيق والأدلة. لكن تجاهل هذه المؤشرات، إن كانت موجودة، قد يكون أكثر خطورة من إثارتها ومساءلة الجهات المسؤولة عنها.
فهل قامت الإدارة الترابية بواجبها في رصد مصادر الأموال التي تتحرك في الكواليس؟ وهل تتم مراقبة محاولات شراء الولاءات الانتخابية؟ وهل هناك من يتابع انتقال بعض أصحاب الثروات المشبوهة من عالم المال إلى عالم السياسة؟ ومن يضمن ألا تتحول الانتخابات إلى وسيلة لتبييض السمعة وإنتاج شرعية جديدة؟
المسألة هنا ليست انتخاب شخص أو حزب بعينه، وإنما حماية الانتخابات نفسها، فالوالي ليس مطلوباً منه أن يختار للناخبين من يمثلهم، وليس من حق الإدارة أن تنحاز إلى مرشح ضد آخر. لكن من صميم مسؤوليتها أن تمنع استعمال النفوذ الإداري، أو المال غير المشروع، أو شبكات العلاقات المشبوهة، للتأثير في إرادة الناخبين.
ولهذا فإن الحديث عن «ضعف» والي الجهة، إن كان متداولاً في الأوساط السياسية والمدنية، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد وصف سياسي، بل إلى سؤال عن أداء المؤسسة الترابية في مرحلة انتخابية حساسة، فالوالي القوي ليس من يتدخل في السياسة، وإنما من يفرض على الجميع احترام قواعد اللعبة.
أما حين يشعر بعض المتنافسين بأن الإدارة غائبة، أو مترددة، أو عاجزة عن ضبط المشهد، فإن الأكثر جرأة على استغلال الفراغ هم عادةً أصحاب المال والنفوذ، لا أصحاب البرامج والكفاءات.
والأخطر أن بعض الأسماء التي كانت إلى وقت قريب بعيدة عن العمل السياسي قد تجد اليوم الطريق مفتوحاً أمامها نحو التزكيات والواجهات الحزبية والانتخابات، مستفيدة من المال والعلاقات، في محاولة لبناء صورة سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع.
فهل ساهم ضعف المراقبة والصرامة في تشجيع هذه الأسماء على الاقتراب أكثر من المشهد؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فليخرج المسؤولون بتوضيحات واضحة. وإذا كانت هناك معطيات مقلقة، فلماذا لا تتحرك الجهات المختصة قبل أن تتحول الشبهات إلى واقع انتخابي يصعب تصحيحه بعد إعلان النتائج؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجهة الشرقية ليس أن يفوز هذا الحزب أو ذاك، وإنما أن يصبح المال المشبوه والنفوذ الخفي معياراً للنجاح السياسي، وما حدث سابقا مع البعيوي إلا مثالا صارخا يستدعي الحيطة والحذر.
فالانتخابات ليست مغسلة للسمعة، وصندوق الاقتراع ليس شهادة حسن سيرة، والشرعية الانتخابية لا ينبغي أن تتحول إلى جسر يعبر فوقه من راكم النفوذ خارج السياسة ليجد نفسه فجأة في قلبها.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الإدارة الترابية والأجهزة المختصة والأحزاب السياسية على حد سواء: منع المال غير المشروع، تدقيق مصادر التمويل، مراقبة المرشحين المشبوهين، وحماية الناخب من الابتزاز والشراء والاستغلال.
أما والي الجهة، فالسؤال الذي يفرض نفسه عليه وعلى المؤسسة التي يمثلها ليس: لمن ستصوتون؟ بل: هل ستضمنون أن يصوت المواطن بحرية، وأن لا يجد أصحاب المال والنفوذ والشبهات طريقاً سهلاً إلى صناديق الاقتراع؟
لأن ضعف الإدارة لا يبقى شأناً إدارياً عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، وحين تضعف هيبة القانون، لا يتقدم إلى الواجهة أصحاب الكفاءة بالضرورة… بل قد يتقدم الأكثر قدرة على استغلال الفراغ.
تعليقات الزوار