“ألا لعنة الله على الكاذبين”.. اليحياوي يهاجم تجار الوطنية في موسم الانتخابات

هبة زووم – الرباط
مع انطلاق الحملة الانتخابية، تعود إلى الواجهة اللغة المعتادة التي ترافق كل استحقاق: حب الوطن، خدمة المواطنين، التضحية من أجل الصالح العام، وتحمل المسؤوليات “الجسام” دفاعاً عن مصالح البلاد.
لكن الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي اختار أن يتعامل مع هذه الشعارات من زاوية مختلفة، واضعاً ما يسميه «الوطنية الانتخابية» أمام امتحان الحصيلة، ومتسائلاً عما إذا كان حب الوطن يقاس فعلاً بما يردده المرشحون فوق المنصات، أم بما يتركونه وراءهم من نتائج عندما تنتهي ولاياتهم ومسؤولياتهم.
وبلهجة شديدة الحدة، انتقد اليحياوي ما يعتبره سباقاً نحو تقديم الوطنية باعتبارها بطاقة انتخابية جاهزة للاستعمال، حيث يصبح كل مرشح، وفق قراءته، وطنياً بامتياز بمجرد أن يقرر خوض الانتخابات، وكل مسؤول مستعداً لتحمل المسؤوليات الثقيلة “حباً في الوطن”.
غير أن الباحث يقلب المعادلة رأساً على عقب: إذا كان حب الوطن هو الدافع الحقيقي إلى تحمل المسؤولية، فلماذا وصل الوضع إلى ما هو عليه؟
السؤال الذي يطرحه اليحياوي ليس مجرد سجال انتخابي، بل محاولة لربط الشعارات بالنتائج. فإذا كان المتنافسون اليوم يتحدثون عن الوطن والمصلحة العامة، فمن المشروع، وفق هذا المنطق، أن يُسألوا أيضاً عن حصيلة السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، وعن مساهمتهم في صناعة السياسات التي يعيش المواطن نتائجها يومياً.
اليحياوي يستحضر في هذا السياق واقعاً يعتبره شديد القسوة: تعليم يعاني اختلالات عميقة، وصحة مثقلة بالأعطاب، وقضاء يواجه انتقادات متواصلة، وإدارة تعاني من أعطاب البيروقراطية والفعالية، وشباب يعيش حالة من التيه والقلق بشأن المستقبل.
وهنا تصبح الوطنية، في نظره، مفهوماً لا يمكن اختزاله في الخطب والشعارات والأعلام التي تملأ فضاءات الحملات الانتخابية، فالوطنية الحقيقية، وفق هذا الطرح، تبدأ من المدرسة والمستشفى والمحكمة والإدارة، ومن قدرة المسؤول على جعل المواطن يشعر بأن مؤسسات بلده تعمل من أجله، وأن صوته الانتخابي ليس مجرد جواز عبور إلى منصب أو امتياز.
والأكثر إثارة في تدوينة اليحياوي أنه يشكك في صدقية بعض الخطابات التي تقدم أصحابها باعتبارهم الأكثر حباً للوطن، بينما لا يعرفون، بحسب تعبيره، تفاصيل الواقع المغربي في البوادي والجبال والمناطق الهامشية، ثم يعودون خلال الموسم الانتخابي لتقديم أنفسهم باعتبارهم الأقدر على الحديث باسم الوطن والمواطنين.
وهي نقطة تفتح ملفاً أكبر يتعلق بالمسافة بين النخب السياسية والواقع الاجتماعي، فكيف يمكن لمرشح أن يطلب ثقة سكان منطقة لا يعرف تضاريسها الاجتماعية ولا مشاكلها اليومية؟ وكيف يمكن لمن يتحدث عن التنمية أن يقنع مواطناً لا يزال يواجه صعوبات في الوصول إلى مدرسة أو مركز صحي أو طريق أو إدارة؟ وكيف يمكن لمن يرفع شعار الدفاع عن الوطن أن يتجنب تقديم كشف حساب عن السياسات التي ساهم فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر؟
اليحياوي يذهب أبعد من ذلك عندما يتساءل عن حقيقة الولاءات والانتماءات لدى بعض المرشحين، مستحضراً، ضمن تدوينته، مسألة تعدد الجنسيات والولاءات. وهي إشارات حادة تستدعي، صحفياً، التمييز بين الانتقاد السياسي المشروع وبين الاتهامات التي تحتاج إلى أدلة ومعطيات موثوقة.
لكن جوهر رسالته يظل واضحاً: لا ينبغي أن تكون الوطنية امتيازاً لفظياً يمنحه المرشح لنفسه، ولا شعاراً يرفع في التجمعات الانتخابية، بل مسؤولية تقاس بالعمل والنتائج.
فالمواطن الذي يسمع اليوم عن «حب الوطن» لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من الخطب، بقدر حاجته إلى إجابات عن أسئلة بسيطة ومباشرة: ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع المسؤولية؟ ماذا غيرتم؟ ماذا فشلتم في تحقيقه؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟
ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي ديمقراطية هو أن تتحول الانتخابات إلى موسم لإعادة إنتاج الخطاب نفسه، حيث يختفي الماضي بمجرد فتح صناديق الاقتراع، وتبدأ المنافسة من نقطة الصفر، وكأن السنوات السابقة لم تكن موجودة.
اليحياوي يضع بذلك المرشحين أمام مفارقة صارخة: إذا كان كل هؤلاء يحبون الوطن إلى هذه الدرجة، فمن المسؤول إذن عن كل ما يصفه من اختلالات؟
فلا يمكن أن يكون الجميع أبرياء من الحصيلة، ولا يمكن أن تكون المسؤولية دائماً في مكان آخر. هناك من دبر، ومن قرر، ومن صوت، ومن ساند، ومن صمت، ومن استفاد، ثم عاد اليوم ليقدم نفسه باعتباره المنقذ الجديد.
ولهذا تبدو معركة الانتخابات، في قراءة اليحياوي، أكبر من صراع على المقاعد؛ إنها معركة حول معنى المسؤولية السياسية نفسها.
فالوطنية ليست أن تقول «أنا أحب الوطن»، وإنما أن تثبت ذلك عندما تكون في موقع القرار. والوطنية ليست أن تطلب من المواطن التصويت لك، وإنما أن تكون مستعداً لأن تشرح له، بعد انتهاء ولايتك، ماذا فعلت بصوته وثقته.
أما أن تُرفع شعارات حب الوطن فوق المنصات، بينما تظل المدرسة تعاني والمستشفى يئن والإدارة تتعثر والشباب يبحث عن أفق، فذلك هو السؤال الذي سيظل مطروحاً مهما تغيرت الوجوه والبرامج والشعارات.
في موسم الانتخابات، لا يكفي أن يسأل المرشح المواطن: هل تحب الوطن؟ الأجدر أن يسأله المواطن: ماذا فعلت أنت من أجل هذا الوطن عندما كنت تملك القرار؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد