الرشيدية: بعد فشله في فك العزلة عن منطقته كراوي يراهن على النفوذ القبلي لإنقاذ الأحرار من شبح الهزيمة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
يبدو أن الذاكرة الانتخابية في الرشيدية ستكون أكثر قسوة هذه المرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوجوه كانت تملك خلال السنوات الماضية موقعاً سياسياً يسمح لها بالدفاع عن قضايا مناطقها، قبل أن تعود اليوم إلى الناخبين طالبة منهم تجديد الثقة.
ومن بين الأسماء التي تدخل هذا الامتحان موحى كراوي، نائب رئيس جماعة الطاوس، الذي اختار خوض الاستحقاقات التشريعية وكيلاً للائحة حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الرشيدية، منافساً ضمن قائمة تضم 21 مرشحاً على خمسة مقاعد برلمانية.
المشكلة التي ستلاحق كراوي في هذه الحملة ليست فقط عدد منافسيه، ولا طبيعة التحالفات والحسابات الانتخابية، وإنما سؤال أبسط وأكثر إحراجاً: ماذا تحقق لمنطقة الطاوس خلال السنوات الخمس الماضية؟
فالرجل كان يوجد في موقع جماعي وسياسي، وحزبه كان يقود الحكومة، وبالتالي فإن الحديث عن صعوبة الوصول إلى مراكز القرار أو استحالة إيصال مطالب المنطقة إلى الرباط لا يبدو مقنعاً للناخب الذي سيجد نفسه اليوم أمام مرشح يطلب منه التصويت له من جديد.
فالبرلمان بالنسبة للمواطن ليس منصة للصور والخطب، والنائب لا يُقاس فقط بقدرته على جمع الأصوات، وإنما بقدرته على تحويل مشاكل المنطقة إلى ملفات داخل المؤسسات، والدفاع عنها أمام الحكومة، ومتابعة المشاريع إلى أن ترى النور.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كراوي هو: إذا كانت الطاوس تعاني من العزلة والخصاص في عدد من المجالات، فما الذي منع، طوال خمس سنوات، من تحويل هذا الوضع إلى قضية سياسية وطنية؟ هل كانت الرباط بعيدة؟ أم أن الطريق إليها كان أقصر مما يقال، لكن الأولويات كانت في مكان آخر؟
هذه الأسئلة لن يكون من السهل تجاوزها بخطاب انتخابي جديد، لأن المواطن في المناطق الهامشية لا يريد من السياسي أن يتحدث باسمه فقط، بل يريد أن يرى أثر ذلك الحديث على الأرض.
والأكثر إثارة للجدل في المشهد الانتخابي الحالي هو ما يقال عن اعتماد كراوي على الامتداد القبلي، وخاصة داخل قبيلة أيت خباش، باعتباره أحد مفاتيح معركته الانتخابية.
والانتماء القبلي، بطبيعة الحال، واقع اجتماعي لا يمكن تجاهله في أي قراءة للانتخابات المحلية. لكن تحويله إلى أداة سياسية وحيدة قد يقود إلى إعادة إنتاج المنطق الانتخابي نفسه الذي يجعل المواطن يصوت للاسم أو للانتماء بدل أن يحاسب على البرنامج والحصيلة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يدخل كراوي الانتخابات باعتباره مرشحاً يحمل مشروعاً تنموياً لإقليم الرشيدية، أم باعتباره مرشحاً يراهن على شبكة من العلاقات والانتماءات المحلية؟
فالطاوس لا تحتاج إلى مرشح يعرف القبيلة فقط، وإنما إلى ممثل يعرف كيف يصل بمشاكلها إلى المؤسسات، ولا تحتاج المنطقة إلى وعود انتخابية موسمية، بل إلى جواب عن ملفات العزلة والطرق والماء والصحة والتعليم والسياحة وفرص الشغل، وغيرها من القضايا التي تجعل مناطق واسعة من الجنوب الشرقي تشعر بأن التنمية لا تصل إليها بالسرعة نفسها التي تصل بها الخطابات ا/لرسمية.
كراوي، بحكم كونه ابن منطقة مرزوكة ومنعشاً سياحياً وفاعلاً جمعوياً، يمتلك دون شك معرفة مباشرة بخصوصيات المنطقة وبإمكاناتها السياحية والاجتماعية، لكن هذه المعرفة نفسها ترفع سقف انتظارات الناخبين منه: إذا كان يعرف مشاكل المنطقة جيداً، فلماذا لم تتحول هذه المعرفة خلال السنوات الماضية إلى ضغط سياسي أقوى من أجل إخراجها من العزلة؟*
أما الحديث عن دخوله السباق الانتخابي “مقصوص الجناح”، في ظل انسحابات شهدها التنظيم الحزبي محلياً، ومنافسة وجوه انتخابية أخرى داخل الإقليم، فيبقى في نهاية المطاف رهيناً بما ستفرزه صناديق الاقتراع، فلا انسحاب وحده يمنح مقعداً، ولا كثرة المنافسين تعني بالضرورة الهزيمة.
لكن المؤكد أن المعركة لن تكون سهلة، فوجود البرلماني العمري في مناطق نفوذه، وتعدد الوجوه المتنافسة، وتشتت الأصوات المحتمل، كلها عوامل تجعل الحسابات الانتخابية أكثر تعقيداً، وتفرض على مرشح “الحمامة” أن يقدم أكثر من مجرد رصيد اجتماعي أو قبلي، فالناخب تغير، والمرحلة لم تعد تسمح بسهولة ببيع المستقبل مقابل وعود جديدة.
لقد جرب المواطنون مرشحين دخلوا الانتخابات ببرامج ضخمة ثم اختفوا خلف جدران المؤسسات، وجربوا أيضاً من اعتبروا الانتماء المحلي كافياً للحصول على الثقة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق كل مرشح إلى صندوق الاقتراع هو: ماذا فعل عندما كان قادراً على الفعل؟
وهذا السؤال تحديداً سيكون ثقيلاً على كراوي، لأنه لا يدخل الانتخابات من موقع المواطن العادي الذي يطلب فرصة أولى، بل من موقع فاعل جماعي وسياسي سبق أن تحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي، كما أن حزبه كان في موقع قيادة الحكومة.
ومن هنا، فإن طلب ود الساكنة من جديد يحتاج إلى أكثر من صور الحملة وخطب المنصات، يحتاج إلى كشف حساب، ماذا جلبت للطاوس؟ ماذا دافعت عنه في الرباط؟ ما الملفات التي طرقتها أبواب الوزارات؟ وما الذي فشلت في تحقيقه؟ تلك هي الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة، بعيداً عن العاطفة والقبيلة والحسابات الضيقة.
فالانتخابات ليست عقداً أبدياً بين المرشح والقبيلة، وليست مكافأة على الانتماء، وإنما هي تفويض مؤقت يُمنح على أساس الثقة والقدرة على تمثيل الناس.
وإذا كان كراوي يريد أن يقنع ساكنة الرشيدية بأن المستقبل معه، فعليه أولاً أن يقنعها بأن خمس سنوات الماضية لم تكن فرصة ضائعة، وأن السنوات المقبلة لن تكون نسخة أخرى منها.
أما صناديق الاقتراع، فستحسم في النهاية ما إذا كانت الذاكرة الانتخابية للساكنة أقوى من الحسابات القبلية، وما إذا كان المواطن سيكافئ الاسم والانتماء، أم سيحاسب الحصيلة.
فالطريق إلى البرلمان لا يبدأ من القبيلة، بل من ثقة الناخب.. والثقة لا تُشترى بخطاب انتخابي جديد إذا كانت ذاكرة السنوات الماضية لا تزال مفتوحة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد