من مائدة الأغلبية إلى حرب الاتهامات.. إدريس الكنبوري يفضح انقلاب الأحزاب الحكومية على حصيلتها

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي دخلت فيه الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة مرحلة المواجهة الانتخابية، يبدو أن الذاكرة السياسية بدأت تتحول إلى عبء ثقيل على أطراف كانت إلى وقت قريب تجلس حول المائدة الحكومية نفسها، قبل أن تتحول، مع اقتراب موعد الاقتراع، إلى تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية عن الحصيلة.
وفي تدوينة شديدة اللهجة، تفاعل الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري مع ما وصفه بـ”الحرب الكلامية” المندلعة بين مكونات الأغلبية، موجهاً انتقادات لاذعة إلى الأحزاب الثلاثة، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ومعتبراً أن المشهد الانتخابي كشف تناقضاً صارخاً بين خطاب الأمس وخطاب اليوم.
وقال الباحث إن الأحزاب التي قادت الحكومة لخمس سنوات، وكانت تشكل أغلبية واحدة، أصبحت اليوم تتبادل الاتهامات بشأن الاختلالات والفساد، في محاولة، بحسب قراءته، لتحميل كل طرف المسؤولية للآخر، بعدما كانت جميعها، على حد تعبيره، “تأكل من نفس المائدة”، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يهاجم من، وإنما من يتحمل المسؤولية السياسية عن الحصيلة الحكومية؟
فإذا كانت الأحزاب الثلاثة شريكة في تدبير الحكومة، فإن من حق المواطن أن يسألها اليوم عن حصيلة السنوات الخمس كاملة، لا عن حصيلة كل حزب بمعزل عن الآخر. أما أن يتحول الشركاء في نهاية الولاية إلى خصوم يتبادلون الاتهامات، فذلك يضع الخطاب الانتخابي أمام امتحان المصداقية.
إدريس الكنبوري ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن عدم قدرة أي من هذه الأحزاب، بحسب تقديره، على الدفاع عن الحصيلة الحكومية أمام المواطنين، يكشف حجم المأزق السياسي الذي وجدت نفسها فيه مكونات الأغلبية.
ووفق التدوينة نفسها، وصف الباحث الحكومة بأنها “أسوأ حكومة في تاريخ المغرب”، رابطاً ذلك بما اعتبره عجزاً جماعياً عن الدفاع عن حصيلة خمس سنوات من الحكم، وانتقد ما يراه انتشاراً لمظاهر الفساد وتراجعاً في الأوضاع الاجتماعية.
وإذا كانت هذه الأحكام تعكس موقف صاحبها السياسي والنقدي، فإن جوهر السؤال يبقى مشروعاً: لماذا يصعب على الأحزاب التي شاركت في صناعة القرار الحكومي أن تقدم للمواطن حصيلة موحدة تدافع عنها؟
الأكثر إثارة في المشهد أن الانتخابات أعادت فجأة إنتاج قاموس الوعود. الأحزاب التي كانت في موقع القرار أصبحت تتحدث بسخاء عن المستقبل، وتقدم وعوداً جديدة بشأن تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بينما يتساءل المواطن: ماذا عن الوعود السابقة؟ وهنا تبرز واحدة من أخطر مشكلات الخطاب الانتخابي: هل يستطيع الناخب أن يميز بين الوعد الجديد والحصيلة القديمة؟
وانتقد الكنبوري بشدة ما اعتبره محاولة لإغراق المواطن في المؤشرات والأرقام بدل مواجهة الواقع الاجتماعي، متسائلاً عن جدوى السياسات التي لا تنعكس، في نظره، بشكل ملموس على حياة الفئات المتضررة من الغلاء والبطالة والهشاشة.
كما وجّه انتقادات حادة إلى ظاهرة شراء التزكيات والمال الانتخابي، مستحضراً ما قال إنه حديث عن مبالغ ضخمة تدفع مقابل الحصول على التزكية، ومعتبراً أن المواطن مدعو إلى عدم منح صوته لمن “زكّى نفسه بالمال”، وهنا تنتقل القضية من مجرد حرب كلامية بين الأحزاب إلى سؤال أعمق يتعلق بأخلاقيات الممارسة السياسية.
فإذا تحولت التزكية الحزبية إلى سلعة، وإذا أصبح المال معياراً للوصول إلى مواقع الترشح، فإن الحديث عن تجديد النخب السياسية يفقد كثيراً من معناه. المواطن لا يحتاج فقط إلى وعود انتخابية جديدة، بل يحتاج إلى ضمانات بأن من يطلب صوته لم يشتر طريقه إلى المنافسة بالمال والنفوذ.
وبينما تتبادل الأحزاب الاتهامات، يبقى المواطن هو الطرف الذي يملك الكلمة الفصل. فصندوق الاقتراع لا ينبغي أن يكون مناسبة لمعاقبة خصم سياسي فقط، بل فرصة لمساءلة كل من تحمل مسؤولية التدبير العمومي.
لقد انتهى زمن إمكانية الفصل السهل بين الحزب والحكومة، من شارك في الأغلبية يتحمل، بدرجات مختلفة، مسؤولية سياسية عن قراراتها، ومن يطلب اليوم ثقة المواطن مطالب بأن يشرح بوضوح ماذا أنجز، وما الذي أخفق فيه، ولماذا لم ينفذ وعوده السابقة، وماذا سيفعل بشكل مختلف غداً.
أما أن تتحول الأحزاب، عشية الانتخابات، من شركاء في الحكم إلى أطراف تتبادل الاتهامات، ثم تعود جميعها إلى توزيع الوعود، فالمطلوب من الناخب ليس التصفيق، بل السؤال والمقارنة والمحاسبة.
فالانتخابات ليست موسم غفران سياسي، ولا فرصة لإعادة تدوير الوعود نفسها. إنها لحظة حساب، ومن حق المواطن أن يسأل كل حزب: كنتَ في الحكومة خمس سنوات، فماذا فعلت؟ وإذا كنتَ تعترض اليوم على الحصيلة، فلماذا لم تعترض وأنت شريك في القرار؟ وإذا كنتَ تملك حلولاً لكل هذه الأزمات، فلماذا لم تنفذها عندما كنتَ في موقع السلطة؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الورقة الانتخابية، لأن تغيير الخطاب لا يمحو ذاكرة المواطن، والوعود الجديدة لا تلغي مسؤولية السنوات الماضية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد