CDT تحذر من انفجار اجتماعي صامت ومن تآكل القدرة الشرائية فيما الحكومة تواصل نفس الاختياراتر الفاشلة

هبة زووم – الرباط
لم تعد الأزمة الاجتماعية في المغرب، وفق تشخيص الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مجرد انعكاس ظرفي لارتفاع الأسعار أو نتيجة مؤقتة لتحولات اقتصادية عابرة، وإنما أصبحت، بحسب النقابة، حصيلة سنوات من الاختيارات والسياسات العمومية التي راكمت الضغوط على المواطن، وعمّقت الفوارق الاجتماعية والمجالية، وأضعفت قدرة الأسر على مواجهة تكاليف الحياة.
النقابة لم تُخفِ، في بلاغ لها، لهجتها النقدية تجاه الوضع الاجتماعي، منتقدة استمرار غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وتنامي البطالة والفقر والهشاشة، وتراجع الخدمات العمومية، إلى جانب ما اعتبرته تكريساً لمظاهر الفساد والريع وتضارب المصالح.
والمثير في هذا التشخيص أنه لا يضع المسؤولية على عامل اقتصادي واحد، بل يربط الأزمة بما تعتبره الكونفدرالية اختيارات متراكمة اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، واستمرت، وفق قراءتها، خلال الولاية الحكومية الحالية.
بمعنى آخر، فإن النقابة تقول إن ما يعيشه المغاربة اليوم ليس “أزمة طارئة” يمكن تجاوزها بمجرد إجراءات ظرفية، وإنما نتيجة لمسار سياسي واقتصادي واجتماعي يحتاج إلى مراجعة عميقة.
وتوجه الكونفدرالية سهاماً أكثر مباشرة إلى الحكومة الحالية، متهمة إياها بمواصلة سياسات تعتبرها غير مجدية، وبإعطاء الأولوية للتوازنات المالية ومصالح الفئات المستفيدة من الريع على حساب المطالب الاجتماعية.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: ما قيمة الحفاظ على المؤشرات المالية إذا كان المواطن يفقد جزءاً متزايداً من قدرته على العيش الكريم؟
فالأرقام الاقتصادية لا يمكن أن تصبح غاية في حد ذاتها إذا لم تنعكس على حياة الأسر، وإذا ظلت الأجور عاجزة عن مواكبة الأسعار، والخدمات العمومية تحت ضغط التراجع، والشباب يواجهون البطالة، فيما تتسع دائرة الهشاشة.
التوازن المالي مطلوب، بلا شك، لكن السؤال السياسي والاجتماعي هو: توازن لفائدة من؟ ومن يتحمل كلفة تحقيقه؟ فالسياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بما تقوله الجداول والمؤشرات، وإنما أيضاً بما يشعر به المواطن عندما يدخل إلى السوق، أو يبحث عن وظيفة، أو يقف أمام مؤسسة صحية أو تعليمية عمومية، أو يحاول مواجهة كلفة السكن والنقل والغذاء.
وفي الوقت نفسه، تضع الكونفدرالية ملف الريع وتضارب المصالح في صلب انتقاداتها، وهو ملف بالغ الحساسية، لأن الحديث عن العدالة الاجتماعية يفقد جزءاً كبيراً من معناه إذا ظلت هناك، وفق ما تثيره النقابة، امتيازات لفئات محددة مقابل تحميل الطبقات الشعبية فاتورة الإصلاحات والأزمات.
لكن النقطة الأكثر إثارة في بلاغ النقابة هي ربطها بين الوضع الاجتماعي والاستحقاق التشريعي المقبل، فالانتخابات، وفق التصور الذي عبرت عنه الكونفدرالية، لا ينبغي أن تكون مجرد موسم للخطابات والوعود، ولا مناسبة لتوزيع صور المرشحين والاحتفال بالإنجازات، وإنما لحظة سياسية لربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهنا يصبح الناخب أمام سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا تحقق؟ ومن استفاد؟ ومن تحمل كلفة السياسات العمومية؟ ومن كان في موقع القرار عندما تراجعت القدرة الشرائية أو اتسعت البطالة أو تراجعت جودة الخدمات؟
كما تحذر النقابة من استعمال المال والنفوذ وشراء الأصوات وكل أشكال التحكم في الإرادة الشعبية، وهي ممارسات، إن ثبتت في أي حالة، لا تضرب فقط منافسة انتخابية بعينها، وإنما تضرب جوهر العملية الديمقراطية نفسها.
فالانتخابات التي يتم فيها التأثير على إرادة الناخب بالمال أو النفوذ تتحول من آلية للمحاسبة إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفس موازين القوة.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الغضب الاجتماعي إلى مجرد وقود انتخابي مؤقت، قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
المطلوب، إذا كانت الانتخابات فعلاً محطة للمحاسبة، ألا يسأل المواطن فقط: “من سأنتخب؟”، بل أيضاً: “ماذا فعل من سبق أن منحته صوتي؟”

هذه هي الحلقة التي كثيراً ما تغيب عن النقاش الانتخابي.

فالوعود لا تكفي، والخطب لا تعوض الحصيلة، والشعارات الاجتماعية لا تخفض الأسعار، والحديث عن حماية القدرة الشرائية لا يصبح سياسة عمومية إلا عندما يجد المواطن أثره في حياته اليومية.

وفي النهاية، وضعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الحكومة والطبقة السياسية أمام مرآة اجتماعية شديدة القسوة: غلاء، بطالة، هشاشة، خدمات عمومية متراجعة، وفوارق اجتماعية ومجالية تقول النقابة إنها تتسع.

ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الانتخابات المقبلة على تحويل هذا الغضب إلى محاسبة سياسية فعلية، لا إلى مجرد تغيير في الوجوه.

فإذا كان المواطن هو من يدفع ثمن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، فمن حقه أن يعرف أيضاً من اتخذ تلك الاختيارات، ومن استفاد منها، ومن سيتحمل مسؤولية نتائجها أمام صناديق الاقتراع.

لأن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد وضع ورقة في الصندوق، وإنما تبدأ عندما يصبح الصوت الشعبي قادراً فعلاً على مكافأة المسؤول ومحاسبة من أخفق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد