هبة زووم – الرباط
لم تعد أزمة التعليم في المغرب بحاجة إلى كثير من البلاغات الرسمية ولا إلى خطب المسؤولين عن الإصلاح والإنجازات، فالأرقام الدولية، متى صحت المعطيات المتداولة بشأنها، قادرة على إسقاط كثير من مساحيق التجميل دفعة واحدة.
بهذه الروح، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي التفاعل مع نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ PISA، مقدماً تشخيصاً صادماً لواقع المدرسة المغربية، وموجهاً سهام النقد إلى منظومة تعليمية استهلكت لسنوات طويلة عناوين الإصلاح، بينما تظل النتائج، بحسب الأرقام التي أوردها، دون مستوى الحد الأدنى في أبسط الكفايات.
اليحياوي توقف عند نتائج دورة 2025، مشيراً إلى أن نسبة التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة الذين بلغوا الحد الأدنى من الكفايات لا تتجاوز، وفق المعطيات التي أوردها، 13 في المائة في القراءة، و16 في المائة في الرياضيات، و23 في المائة في العلوم، مقابل معدلات أعلى بكثير لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وبمعنى أكثر قسوة، فإن 87 في المائة من التلاميذ المشاركين لم يبلغوا الحد الأدنى في القراءة، و84 في المائة لم يبلغوه في الرياضيات، و77 في المائة لم يبلغوه في العلوم، وفق قراءة اليحياوي للنتائج.
هذه ليست مجرد أرقام في جدول دولي، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة حول ترتيب المغرب بين الدول. فالمشكلة الحقيقية، كما يفرضها هذا النوع من النتائج، أكثر عمقاً وإحراجاً: كيف يمكن لمنظومة تعليمية أن تتحدث عن إصلاح المدرسة وهي عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من الكفايات الأساسية لدى أغلب المتعلمين؟
فالتلميذ الذي يصل إلى سن الخامسة عشرة دون امتلاك مستوى كافٍ في القراءة والفهم والحساب والعلوم، لا يمثل رقماً في تقرير دولي فحسب، بل يمثل فشل سنوات من المدرسة والأسرة والسياسات العمومية والبرامج الإصلاحية.
والأكثر إحراجاً أن المغرب لم يدخل عالم إصلاح التعليم بالأمس. فقد تعاقبت المخططات والاستراتيجيات والرؤى والبرامج، وتغيرت الحكومات والوزراء والشعارات، وظلت المدرسة في قلب الخطاب الرسمي باعتبارها أولوية وطنية. لكن المواطن يريد في النهاية نتيجة واحدة: ماذا تعلم ابنه؟
وهنا تحديداً تكتسب أرقام «بيزا» دلالتها السياسية، فإذا كان التلميذ المغربي، بحسب المعطيات التي استند إليها اليحياوي، يحتل مراتب متأخرة جداً في القراءة والرياضيات والعلوم وحل المشكلات، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند الأستاذ أو المؤسسة التعليمية، والمطلوب هو فتح النقاش حول حصيلة السياسات التعليمية برمتها: من وضعها؟ من نفذها؟ كم كلفت؟ ولماذا لم تنتج النتائج المنتظرة؟
المشكلة أن المسؤولية في ملف التعليم كثيراً ما تتحول إلى كرة تتقاذفها الأطراف: الوزارة تشير إلى المدرسة، والمدرسة تشير إلى الأسرة، والأسرة تشير إلى المناهج، والكل يجد تفسيراً جاهزاً للتعثر. وفي نهاية المطاف، يبقى التلميذ وحده من يدفع الثمن.
والأخطر أن استمرار هذا الوضع يعني أن المغرب لا يخسر فقط معركة ترتيب دولي، بل يخسر جزءاً من رأس ماله البشري، فالتلميذ الذي لا يكتسب أدوات القراءة والحساب والفهم في الوقت المناسب، سيكون أكثر عرضة لصعوبات لاحقة في التعليم والتكوين والولوج إلى سوق الشغل، مهما ارتفع سقف الخطابات حول التنمية والرأسمال البشري والانتقال الرقمي.
ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال شديد الوضوح على المسؤولين عن القطاع: كم مرة سنعيد تسمية الإصلاح قبل أن نصل إلى النتيجة؟ فليس الإصلاح أن تتغير البرامج والوثائق والاستراتيجيات، ولا أن تتكاثر المؤسسات واللجان والمشاريع، وإنما الإصلاح الحقيقي هو أن يدخل الطفل المدرسة فيتعلم، ويخرج منها وهو يمتلك الحد الأدنى من أدوات المعرفة التي تمكنه من قراءة نص، وفهمه، وإجراء عملية حسابية، وتحليل ظاهرة علمية، وحل مشكلة.
أما حين تصبح هذه الكفايات نفسها محل سؤال، فإن الحديث عن النجاح يصبح أقرب إلى محاولة الهروب من الحقيقة بالألفاظ.
اليحياوي لم يكتف بعرض الأرقام، بل اختار أن يختم تدوينته بسخرية مرة: “مبروك الدخول المدرسي الجديد”، والعبارة، في سياق التدوينة، ليست تهنئة بقدر ما هي صفعة رمزية لكل الخطابات التي تتكرر مع بداية كل موسم دراسي، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة: لماذا لا تتحسن النتائج؟ أين الخلل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لقد حان الوقت، ربما، لأن تتوقف الدولة عن قياس نجاح التعليم فقط بعدد المدارس والمشاريع والميزانيات، وأن تبدأ بقياسه بما يعرفه التلميذ فعلاً.
فالأرقام التي أوردها اليحياوي، إن تأكدت وفق المصدر الرسمي الكامل لتقرير «PISA»، لا تحتاج إلى خطاب دفاعي، بل إلى تشخيص صريح ومحاسبة مؤسساتية وخطة إنقاذ حقيقية.
لأن القضية في النهاية ليست أن يحتل المغرب المرتبة الأخيرة أو ما قبل الأخيرة في تصنيف دولي، وإنما أن يصل طفل مغربي إلى الخامسة عشرة من عمره دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدوات المعرفة.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة من كل ترتيب دولي: إذا كانت المدرسة لا تضمن القراءة والحساب والفهم، فما الذي بقي من معنى المدرسة؟
تعليقات الزوار