سنوات من الإصلاح وملايين التلاميذ والنتيجة: أغلبية لا تتقن القراءة والرياضيات و”بيزا” يفضح فشل المنظومة

هبة زووم – الرباط
إذا كانت المدرسة هي المصنع الذي يفترض أن تنتج جيلاً قادراً على القراءة والفهم والحساب والتحليل والتفكير، فإن نتائج PISA 2025 تفرض على المغرب التوقف طويلاً أمام سؤال مؤلم: ماذا يفعل أبناؤنا كل هذه السنوات داخل الأقسام؟
لأن المسألة لم تعد مرتبطة بترتيب المغرب في تصنيف دولي، ولا بمنافسة عابرة بين أنظمة تعليمية، وإنما أصبحت مرتبطة بجوهر العملية التعليمية نفسها: هل يتعلم التلميذ المغربي فعلاً؟
الأرقام التي كشفت عنها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لا تحتاج إلى كثير من التأويل، فقط 13 في المائة من التلاميذ المغاربة يبلغون الحد الأدنى من الكفايات في القراءة، و16 في المائة في الرياضيات، و23 في المائة في العلوم.
أي أن الغالبية الساحقة من أبنائنا يصلون إلى سن الخامسة عشرة دون امتلاك الحد الأدنى من الأدوات التي يفترض أن تمنحهم إياها المدرسة.
وهنا تصبح كل خطابات الإصلاح بحاجة إلى مراجعة، ما جدوى الحديث عن البرامج والمخططات والاستراتيجيات، إذا كان تلميذ في الخامسة عشرة لا يستطيع، وفق هذه المؤشرات، بلوغ المستوى الأدنى من الكفايات الأساسية؟
وما جدوى التباهي بعدد المؤسسات والمقاعد والمشاريع، إذا كان السؤال الأكثر بساطة لا يزال بلا جواب مقنع: هل تعلم الطفل القراءة والرياضيات والعلوم؟
لقد أنفق المغرب سنوات طويلة في إصلاح التعليم، وغيّر المناهج والبرامج والهياكل، ورفع شعارات مدرسة الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص، لكن نتائج التقييمات الدولية تعيد في كل مرة وضع الإصبع على الجرح نفسه: المشكلة لم تعد في الوصول إلى المدرسة فقط، وإنما في ما يحدث داخلها.
صحيح أن هناك مكسباً لا ينبغي إنكاره، يتمثل في ارتفاع عدد التلاميذ المؤهلين للمشاركة في اختبار PISA بأكثر من 30 في المائة بين 2018 و2025، رغم استقرار الكتلة الديمغرافية تقريباً، لكن توسيع الولوج إلى المدرسة لا يمكن أن يكون غاية في حد ذاته.
فإذا أدخلنا مزيداً من الأطفال إلى المدرسة، ثم تركنا نسبة كبيرة منهم تغادرها دون كفايات أساسية، فنحن لم نحل المشكلة؛ بل وسّعنا قاعدة المستفيدين من تعليم ضعيف الجودة.
والأكثر إثارة للقلق أن جزءاً مهماً من زمن التعلم نفسه يبدو مهدراً، 36 في المائة من التلاميذ تحدثوا عن التغيب يوماً كاملاً على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، و62 في المائة عن تفويت حصة دراسية، و59 في المائة عن التأخر، فيما أشار 41 في المائة إلى أن الفوضى والضوضاء تعطل الحصص.
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة: لا يمكن بناء مدرسة قوية في بيئة يضيع فيها زمن التعلم، فكل حصة ضائعة تعني تعلماً ناقصاً، وكل تأخر متكرر، وكل فوضى داخل الفصل، وكل غياب غير مبرر، يتراكم في النهاية على شكل فجوة معرفية.
لكن تحميل المدرس وحده مسؤولية هذه الكارثة سيكون هروباً من الحقيقة، فالنتائج نفسها تكشف أن أكثر من 76 في المائة من التلاميذ يقرون باهتمام أساتذتهم بمواصلة الشرح وتقديم الدعم الإضافي. كما سجلت الصعوبات المرتبطة بنقص الأطر والبنيات التحتية تراجعاً مقارنة بسنة 2022.
إذن أين تكمن المشكلة؟ تكمن في منظومة كاملة تحتاج إلى مساءلة: في الحكامة، وفي تتبع التعثرات، وفي تنظيم زمن التعلم، وفي الانضباط، وفي المناهج، وفي آليات الدعم، وفي سرعة التدخل لإنقاذ التلميذ قبل أن يتحول تعثره إلى فشل ثم انقطاع.
والأخطر أن العالم من حول المدرسة يتحرك بسرعة هائلة، بينما لا تزال المدرسة المغربية تكافح مع أبجديات التعلم، فالذكاء الاصطناعي أصبح حاضراً في حياة التلاميذ، و45 في المائة منهم صرحوا باستخدام أدواته أسبوعياً في التلخيص وإنجاز الواجبات.
وهنا أيضاً لا ينبغي أن يكون رد المدرسة هو المنع فقط، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح كارثة إذا استُعمل بديلاً عن التفكير، لكنه يمكن أن يكون أداة تعليمية هائلة إذا تعلم التلميذ كيف يستخدمه للتحقق والتحليل والتعلم، لا لنسخ الأجوبة الجاهزة.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن التلميذ المغربي نفسه لا يبدو فاقداً للرغبة في النجاح. 67 في المائة مستعدون لبذل مجهود إضافي لتجاوز العقبات، بينما لا يرى المدرسة «مضيعة للوقت» سوى نحو 17 في المائة.
وهذه رسالة واضحة لصناع القرار: المشكلة ليست في جيل لا يريد التعلم، بل في مدرسة لم تنجح بعد في تحويل رغبة هذا الجيل في النجاح إلى كفايات حقيقية، لذلك لا ينبغي أن تنتهي نتائج PISA 2025 ببلاغ رسمي، أو تصريح حكومي، أو دفاع سياسي عن الحصيلة.
المطلوب اليوم هو زلزال حقيقي في طريقة تدبير ملف التعليم، يجب أن يصبح قياس جودة المدرسة مرتبطاً بما يستطيع التلميذ فعله، لا بعدد المؤسسات التي افتُتحت، ولا بعدد البرامج التي أُعلنت، ولا بعدد الاجتماعات التي عُقدت.
نريد أن نعرف كم تلميذاً يستطيع القراءة والفهم فعلاً. كم واحداً يستطيع حل مسألة رياضية. كم واحداً يستطيع التفكير العلمي. وكم تلميذاً ينتقل من مستوى إلى آخر وهو يحمل معه تعثراً لم تعالجه المؤسسة التعليمية.
فالمشكلة ليست أن المغرب يحتاج إلى إصلاح تعليمي جديد يضاف إلى عشرات الإصلاحات السابقة، المشكلة أن المغرب يحتاج أخيراً إلى إصلاح ينجح.
إصلاح يجعل القسم فضاءً للتعلم لا مجرد مكان للحضور، ويعيد للمدرسة هيبتها، وللمدرس مكانته، ولزمن التعلم قيمته، ويضع التلميذ المتعثر في قلب السياسة التعليمية بدل تركه يسقط بصمت من مستوى إلى آخر، أما الاستمرار في الاحتفال بالمؤشرات الكمية بينما تتراجع الكفايات الأساسية، فلن يغير الحقيقة.
فالمدرسة التي لا تعلم طفلها القراءة، مهما كانت بناياتها جميلة ومناهجها حديثة وشعاراتها براقة، تكون قد أخفقت في أهم مهمة وُجدت من أجلها.
وإذا كان المغرب يريد فعلاً أن ينافس في اقتصاد الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي، فعليه أن يبدأ من السؤال الأبسط والأكثر إلحاحاً: هل يتعلم أطفالنا داخل المدرسة؟ نتائج PISA 2025 تقول إن الجواب ما زال مؤلماً، والأسوأ أن الوقت لم يعد يسمح بتأجيل الإجابة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد