هبة زووم – محمد خطاري
دخلت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة منعطفاً جديداً من التوتر والاحتقان، بعد إعلان التنسيق النقابي الخماسي لهيئة المتصرفين عن برنامج نضالي تصعيدي غير مسبوق، احتجاجاً على ما وصفه بسياسة التهميش والتجاهل التي تنهجها الوزارة تجاه هذه الفئة الإدارية الحيوية.
البلاغ الصادر عن التنسيق النقابي، الذي يضم عدداً من أبرز النقابات التعليمية، لم يترك مجالاً للغموض، بل حمل الوزارة المسؤولية الكاملة عن حالة الغضب المتصاعدة داخل صفوف المتصرفين، متحدثاً عن انسداد حقيقي في قنوات الحوار، واستمرار التعامل مع مطالب هذه الفئة بعقلية التسويف والتجاهل.
الخطير في هذا التصعيد أنه لا يقتصر على تنظيم وقفة احتجاجية مركزية يوم 16 ماي أمام مقر الوزارة، بل يمتد إلى خطوات ميدانية قد تربك السير الإداري للمؤسسات التعليمية والأكاديميات والمديريات الإقليمية، من خلال مقاطعة المهام الخارجة عن الاختصاص، والامتناع عن التحرير الإداري والمساعدة التقنية، والانسحاب الجماعي من تدبير البريد الرقمي.
وإذا كانت الوزارة تراهن دائماً على امتصاص الاحتجاجات عبر الصمت أو الوعود المؤجلة، فإن لغة البلاغ تكشف أن المتصرفين بلغوا مرحلة متقدمة من الاحتقان، خاصة مع شعورهم بأنهم تحولوا إلى “خزان إداري” تُلقى على عاتقه مختلف المهام دون اعتراف حقيقي بحقوقه المهنية والمادية.
كما أن قرار التوقف عن العمل خارج التوقيت الإداري، ورفض استعمال الهواتف الشخصية لأغراض مهنية، والانسحاب من مجموعات التواصل المهني، يحمل رسالة واضحة مفادها أن فئة المتصرفين لم تعد مستعدة للاستمرار في تقديم “خدمات مجانية” خارج ما يفرضه القانون والاختصاص.
وفي العمق، تعكس هذه الأزمة جانباً من الاختلال البنيوي الذي يطبع تدبير الموارد البشرية داخل قطاع التعليم، حيث يجري تحميل بعض الفئات أعباء متزايدة دون مواكبة حقيقية لمسارها المهني أو تحسين أوضاعها المادية والاجتماعية.
المطالب التي رفعها التنسيق النقابي تكشف بدورها حجم التراكمات التي ظلت عالقة لسنوات، بدءاً من مراجعة النظام الأساسي وتحقيق العدالة الأجرية، مروراً بالتعويضات المرتبطة بالمسؤولية الإدارية والتوقيع، وصولاً إلى ملف “الدكاترة” والمطالبة بإدماجهم في إطار أستاذ باحث.
كما يثير المتصرفون قضية ما وصفوه بـ”تهريب الاختصاصات”، وهي نقطة تعكس حالة التداخل والارتباك التي أصبحت تطبع توزيع المهام داخل الإدارة التربوية، في غياب تصور واضح يحفظ لهذه الهيئة مكانتها ووظائفها الأصلية.
الأكيد أن هذا التصعيد يأتي في سياق عام يتسم بتزايد التوترات داخل قطاع التعليم، الذي لم يخرج بعد من تداعيات أزمات سابقة مرتبطة بالأساتذة وملفات الفئات المتضررة من النظام الأساسي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الوزارة على تدبير الحوار الاجتماعي واحتواء موجات الاحتقان المتلاحقة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن إصلاح المنظومة التعليمية وتجويد الحكامة، تبدو الإدارة التربوية نفسها غارقة في أعطاب التدبير وضعف التواصل وفقدان الثقة بين الوزارة وموظفيها.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستتعامل الوزارة مع هذا التصعيد بعقلية الإنصات والحوار الجاد؟ أم أنها ستواصل سياسة الانتظار إلى أن يتحول الاحتقان الإداري إلى شلل فعلي داخل المرفق العمومي التعليمي؟
المؤكد أن ما يجري داخل هيئة المتصرفين لم يعد مجرد ملف فئوي محدود، بل مؤشر إضافي على أزمة أعمق يعيشها قطاع التعليم، عنوانها الأبرز: اتساع الهوة بين خطاب الإصلاح الرسمي وواقع الشغيلة التربوية والإدارية على الأرض.
تعليقات الزوار