هبة زووم – أحمد الفيلالي
تحولت دورة ماي لمجلس مدينة الدار البيضاء، يوم أمس الخميس، إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة بين مكونات الأغلبية، بعدما انفجر خلاف حاد بين منتخبي حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة حول ما وصفه الاستقلاليون بـ”تفويت في جنح الظلام” لمركبين سوسيو-رياضيين لفائدة جمعيات قيل إنها مقربة من حزب الوزير.
الشرارة الأولى اندلعت حين وجه الفريق الاستقلالي انتقادات مباشرة لوزارة وزارة الشباب والثقافة والتواصل، متهماً إياها بتفويت تسيير مركبات رياضية بطريقة تثير الكثير من علامات الاستفهام، وفي ظروف اعتبرها تفتقد للشفافية وتغذي الشكوك حول منطق “الولاءات الحزبية” في تدبير المرافق العمومية.
لكن رد فريق “البام” لم يتوقف عند حدود الدفاع عن الوزارة أو نفي وجود أي شبهة، بل سرعان ما انزلق النقاش إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما لوّح بعض المتدخلين بـ”فتح ملفات الفساد” التي تعرفها المدينة، في تهديد سياسي مباشر كشف حجم التصدعات داخل الأغلبية المسيرة للعاصمة الاقتصادية.
الاستقلاليون لم يمرروا التهديد مرور الكرام، بل ردوا بقوة مطالبين خصومهم إما بالتوجه إلى القضاء ووضع ما يتوفرون عليه من معطيات وملفات أمام العدالة، أو التوقف عن استعمال “ورقة الفساد” كشعار للاستهلاك السياسي داخل الدورات الرسمية.
وهكذا تحولت جلسة يفترض أن تناقش قضايا التنمية والتدبير المحلي إلى مشهد صاخب من تبادل الاتهامات والرسائل المشفرة، وسط أجواء مشحونة عكست عمق الأزمة السياسية التي تخترق مكونات الأغلبية داخل مجلس المدينة.
ورغم محاولات التهدئة التي قادتها نبيلة الرميلي، من خلال الدعوة إلى وحدة المجلس وتغليب المصلحة العامة، فإن التوتر كان أكبر من أن يتم احتواؤه بخطابات المجاملة السياسية، خاصة بعدما بدا واضحاً أن ما يجري يتجاوز مجرد خلاف ظرفي حول مركبين رياضيين.
ففي العمق، تكشف هذه المواجهة عن صراع نفوذ متصاعد بين الأحزاب المشكلة للأغلبية، في سياق سياسي يطبعه التنافس المبكر حول المواقع والتموقعات، وتبادل الرسائل بين مراكز القرار الحزبي والمحلي.
كما تعيد الواقعة إلى الواجهة النقاش القديم حول طريقة تدبير المرافق العمومية والفضاءات الرياضية والاجتماعية، التي كثيراً ما تتحول إلى مجال للاتهامات بالمحاباة وتوزيع الامتيازات وفق منطق القرب الحزبي بدل معايير الشفافية والاستحقاق.
الأخطر أن الحديث العلني عن “ملفات فساد” داخل دورة رسمية للمجلس، دون تقديم معطيات دقيقة أو اللجوء إلى المؤسسات المختصة، يطرح تساؤلات مقلقة حول طبيعة ما يُدار خلف الكواليس داخل العاصمة الاقتصادية، وحول حدود المسؤولية السياسية والأخلاقية للمنتخبين.
فإذا كانت هناك فعلاً اختلالات وملفات فساد، فمن واجب من يملك المعطيات التوجه إلى القضاء بدل تحويلها إلى مجرد ذخيرة في معارك تصفية الحسابات السياسية، أما إذا كانت الاتهامات مجرد وسيلة للضغط والمساومة، فالأمر لا يقل خطورة لأنه يضرب ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
دورة ماي بالدار البيضاء أكدت مرة أخرى أن التحالفات السياسية داخل المجالس المنتخبة أصبحت هشة وقابلة للانفجار عند أول اختبار للمصالح، وأن خطاب “الانسجام” الذي ترفعه بعض الأغلبية لا يصمد كثيراً أمام صراع النفوذ وتقاسم المواقع.
وفي النهاية، بدا واضحاً أن خطاب التهدئة الذي حاول البعض عزفه داخل قاعة المجلس سرعان ما اختنق تحت وقع الصراعات القادمة من خارج البيضاء، وبالضبط من وزارة بنسعيد، التي يبدو أن تداعيات قراراتها وصلت إلى قلب التوازنات السياسية داخل مجلس المدينة.
تعليقات الزوار