هبة زووم – الحسيمة
تعيش غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة واحدة من أكثر أزماتها التنظيمية حساسية، بعدما تحول نشاط كان يفترض أن يناقش قضايا “التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي” بمدينة الحسيمة إلى عنوان بارز لاحتقان مهني متصاعد، كشف عمق الهوة بين رئاسة المؤسسة وقواعدها المهنية في عدد من أقاليم الجهة.
فاللقاء الذي احتضنته ملحقة الغرفة بالحسيمة لم يسقط بسبب خلل تقني أو ضعف تنظيمي عابر، بل اصطدم بما يشبه “العصيان المهني الصامت”، بعدما اختار عدد من مهنيي الإقليم الرد على ما يعتبرونه سياسة تهميش وإقصاء بسلاح المقاطعة الشاملة، في رسالة ميدانية قوية أربكت حسابات المنظمين وفضحت حجم التوتر داخل المؤسسة.
ما حدث لم يكن مجرد حادث معزول، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التراكمات والاحتقان الذي ظل يتصاعد بصمت داخل أوساط المهنيين، خاصة في الأقاليم البعيدة عن “مركز القرار”.
إذ تتهم أصوات متزايدة داخل الغرفة الرئاسة بالانفراد بتدبير الملفات الحساسة، واعتماد منطق “الترضيات” في توزيع المهام والوفود والامتيازات، بعيداً عن أي معايير واضحة أو شفافة.
وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية إلى أن الغضب بالحسيمة يرتبط أساساً بالشعور المتزايد بأن الإقليم أصبح مجرد رقم هامشي داخل مؤسسة يُفترض أنها تمثل جميع مهنيي الجهة على قدم المساواة.
فاختيار المشاركين في الملتقيات الوطنية والدولية، وتوزيع فرص التمثيل، وطريقة تدبير الأنشطة، كلها ملفات باتت تُطرح حولها علامات استفهام كبيرة.
الأخطر أن هذه الأزمة لم تعد محصورة في الحسيمة فقط، بل تعكس حالة أوسع من التململ داخل عدد من أقاليم الجهة، بعدما سبق لأصوات من شفشاون وغيرها أن نبهت إلى ما تعتبره “مركزية مفرطة” تتركز فيها الأنشطة والقرارات داخل محور محدد، بينما تُترك باقي الأقاليم على هامش الاهتمام والتأثير.
وفي الوقت الذي ترفع فيه الغرفة شعارات مرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي ومواكبة التحولات الاقتصادية الحديثة، يرى مهنيون أن المؤسسة ما تزال عاجزة عن تدبير أبسط قواعد الحكامة الداخلية والتواصل المؤسساتي الفعال، فكيف يمكن الحديث عن التحول الرقمي، بينما تعيش المؤسسة نفسها أعطاباً تنظيمية وهيكلية تهدد تماسكها الداخلي؟
إن ما وقع بالحسيمة كشف بوضوح أن الأزمة أعمق من مجرد سوء تفاهم عابر، بل ترتبط بطبيعة تدبير المؤسسة نفسها، وبمنطق توزيع النفوذ والامتيازات داخلها.
وهو ما يضع رئاسة غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية ثقيلة، تفرض الانتقال من لغة الشعارات إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية تضمن الإنصاف المجالي والتمثيلية العادلة.
فالعدالة المجالية لا تعني فقط توزيع المشاريع والبنيات التحتية، بل تشمل أيضاً إشراك مختلف الأقاليم في صناعة القرار وتمكينها من فرص متساوية داخل المؤسسات التمثيلية. أما استمرار منطق “المركز والهامش”، فلن يؤدي سوى إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة داخل الجسم المهني.
وفي النهاية، يبدو أن رسالة الحسيمة كانت واضحة: لا يمكن تسويق صورة عصرية عن مؤسسة تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بينما قواعدها المهنية تشتكي من التهميش وغياب الشفافية وضعف التواصل، لأن التنمية المؤسساتية الحقيقية تبدأ أولاً من احترام قواعد الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع مكونات الجهة، لا من الاكتفاء بالشعارات البراقة والواجهات التقنية.
تعليقات الزوار