حسن غربي – الحسيمة
كانت حديقة “المونيكا” بمدينة الحسيمة لسنوات واحدة من أبرز الفضاءات الخضراء التي تمنح المدينة جزءاً من توازنها البيئي والجمالي، وتشكل متنفساً حقيقياً للساكنة والزوار.
غير أن هذا الفضاء، الذي يفترض أن يكون عنواناً للعناية بالمجال الحضري، بات اليوم يعكس صورة مقلقة عن طريقة تدبير المشاريع العمومية وغياب رؤية متكاملة للتنمية المحلية.
فالحديقة، الواقعة عند مدخل المدينة، لم تكن مجرد مساحة خضراء عادية، بل فضاءً اجتماعياً وبيئياً يجمع العائلات والأطفال والباحثين عن الراحة والاستجمام.
لكن ما جرى خلال الأشهر الأخيرة حوّل هذا المتنفس الطبيعي إلى ورش مفتوح للفوضى، بعد تقليص جزء من مساحته لفائدة إحداث ملعب للقرب وملعبين لرياضة “البادل”.
ورغم أن تعزيز البنيات الرياضية يبقى خطوة إيجابية من حيث المبدأ، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المشروع ذاته، بل في الطريقة المرتجلة التي تم بها تنزيله، دون مراعاة التوازن البيئي أو الحفاظ على جمالية الفضاء.
فبدل أن تضيف هذه المشاريع قيمة للحديقة، خلفت وراءها أكواماً من مخلفات البناء والنفايات، إلى جانب مداخل مهملة وأبواب متضررة، في مشهد يعكس غياب المتابعة والمحاسبة.
المفارقة أن هذا الوضع يتزامن مع الحديث عن ميزانيات مهمة خُصصت لإعادة تهيئة مداخل المدينة وهيكلة بعض الأحياء. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن تحسين المشهد الحضري، بينما تُترك فضاءات قائمة، بحجم وقيمة حديقة “المونيكا”، في وضعية مزرية؟
المشكل هنا يتجاوز مجرد الإهمال الظرفي، ليكشف خللاً أعمق في فلسفة التدبير المحلي، حيث يتم التركيز على إطلاق المشاريع الجديدة من أجل التسويق السياسي والإعلامي، دون التفكير في صيانة وتأهيل ما هو قائم.
وكأن التنمية أصبحت تُقاس بعدد الأوراش المفتوحة، لا بجودة الإنجاز أو أثره الحقيقي على حياة المواطنين.
عدد من المتتبعين يعتبرون أن الأولوية كان يجب أن تنصرف، بالتوازي مع إنجاز الملاعب، إلى إعادة الاعتبار للحديقة، عبر تنظيفها من مخلفات الأشغال، وتأهيل مرافقها، والحفاظ على طابعها البيئي، بدل تحويلها إلى فضاء مشوه يفقد تدريجياً وظيفته الأساسية كمتنفس أخضر.
كما أن ما جرى يطرح سؤالاً مشروعاً حول مراقبة المشاريع العمومية ومدى احترام دفاتر التحملات، خاصة عندما تتحول الأشغال إلى مصدر لتشويه الفضاءات بدل تحسينها
وهنا تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل السلطات الإقليمية لفتح تحقيق في ظروف إنجاز هذه المشاريع، وترتيب المسؤوليات بشأن ما تم تسجيله من اختلالات واضحة في التدبير وجودة التنفيذ.
في العمق، لا تحتاج الحسيمة فقط إلى مشاريع جديدة، بل إلى رؤية حضرية تحترم التوازن بين التنمية والبيئة، وبين البنية التحتية وجودة العيش. لأن المدينة التي تُفرط في فضاءاتها الخضراء، تحت أي مبرر، إنما تُفرط في جزء من روحها.
ويبقى السؤال المؤلم: هل أصبحت المساحات الخضراء آخر ما تفكر فيه الجهات المسؤولة، في زمن صار فيه الإسمنت يلتهم كل شيء، حتى حق الناس في متنفس طبيعي يحفظ للمدينة جمالها وكرامتها؟

تعليقات الزوار