هبة زووم – الرباط
تكشف المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط واقعاً مقلقاً لسوق الشغل بالمغرب، لا يتعلق فقط بمستوى البطالة أو نسب المشاركة، بل بطبيعة الاختلالات البنيوية التي تُعيد إنتاج نفس الفوارق المجالية سنة بعد أخرى، في مشهد يُكرّس فعلياً وجود “مغربين”: مغرب يشتغل… وآخر مُعطّل.
فحين يبلغ المعدل الوطني للمشاركة في القوى العاملة 41.8%، وتنجح بعض الجهات في تجاوزه، قد يبدو الأمر إيجابياً للوهلة الأولى. لكن قراءة متأنية تكشف أن هذه “الدينامية” ليست سوى انعكاس لتمركز النشاط الاقتصادي في مناطق محددة، على رأسها جهة الداخلة–وادي الذهب التي تصدرت بنسبة 63.9%، تليها جهة طنجة–تطوان–الحسيمة وجهة الدار البيضاء–سطات. نجاحات نسبية، لكنها تطرح في المقابل سؤال العدالة المجالية: لماذا تظل جهات أخرى خارج هذه الدينامية؟
الصورة تصبح أكثر قتامة حين ننتقل إلى الجهات التي تقبع في أسفل الترتيب، مثل جهة درعة–تافيلالت التي لم تتجاوز فيها نسبة المشاركة 31.1%.
هذا الرقم لا يعكس فقط ضعف فرص الشغل، بل يُشير إلى انسحاب جماعي من سوق العمل، حيث يفقد آلاف الأشخاص الأمل في إيجاد وظيفة، فيتحولون إلى “غير نشيطين” إحصائياً… ومنسيين اقتصادياً.
أما البطالة، فتفضح عمق الأزمة أكثر. تسجيل جهة العيون–الساقية الحمراء لأعلى معدل (20.3%)، أي ضعف المعدل الوطني تقريباً، ليس مجرد رقم عابر، بل مؤشر على خلل هيكلي في خلق فرص الشغل. والأمر نفسه ينطبق على الجهة الشرقية وجهة كلميم–وادي نون وجهة فاس–مكناس، حيث البطالة لم تعد ظاهرة ظرفية، بل حالة مزمنة.
المفارقة الأكثر إثارة للقلق أن حتى الجهات التي تُصنَّف كقاطرات اقتصادية، مثل جهة الرباط-سلا-القنيطرة وجهة الدار البيضاء-سطات، لم تسلم من ارتفاع البطالة، ما يعني أن النمو الاقتصادي، إن وُجد، لا يترجم بالضرورة إلى فرص شغل كافية، بل قد يكون نمواً غير شامل، يخلق الثروة دون توزيعها.
في المقابل، تبدو بعض الجهات مثل الداخلة–وادي الذهب ومراكش–آسفي وطنجة–تطوان–الحسيمة أكثر قدرة على خلق فرص العمل، لكن هذه النجاحات تظل معزولة، وغير كافية لتعديل ميزان التفاوت الوطني.
اللافت أن هذه الأرقام تأتي ضمن جيل جديد من الدراسات المعتمدة وفق معايير منظمة العمل الدولية، ما يمنحها مصداقية أكبر، ويجعل من الصعب تجاهلها أو تبريرها، فالأمر لم يعد يتعلق بنقص في المعطيات، بل بغياب سياسات فعالة لتقليص الفوارق.
في العمق، تكشف هذه المؤشرات فشل النموذج التنموي في تحقيق توازن مجالي حقيقي. فكيف يمكن الحديث عن تنمية شاملة، في ظل تفاوتات بهذا الحجم؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالاندماج في سوق شغل لا يوفر نفس الفرص حسب الجغرافيا؟
الخلاصة التي تفرض نفسها بوضوح: أزمة الشغل في المغرب لم تعد مجرد أرقام، بل أصبحت أزمة عدالة. وبين جهات تزدهر وأخرى تتآكل، يبقى الرهان الحقيقي هو كسر هذه الثنائية، قبل أن تتحول إلى قطيعة اقتصادية واجتماعية يصعب ترميمها.
تعليقات الزوار