هبة زووم – محمد خطاري
مع اقتراب عيد الأضحى، تعود مفارقة مألوفة إلى الواجهة: أسعار اللحوم ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، فيما تتحول منصات التواصل إلى ساحة احتجاج بديل.
هذه المرة، اختار نشطاء إطلاق حملة لمقاطعة استهلاك اللحوم، في محاولة للضغط على السوق وإجبار الأسعار على التراجع، خطوة تبدو في ظاهرها مدنية وسلمية، لكنها في عمقها تكشف أزمة ثقة أعمق بين المواطن وآليات ضبط السوق.
الحملة تُسوَّق باعتبارها وسيلة لمواجهة “اختلالات” في منظومة التوريد والتوزيع، وشبهات مضاربة وضعف مراقبة، غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهته، يطرح سؤالاً أساسياً: هل فعلاً أصبح المستهلك هو آخر أدوات التوازن في السوق؟ وهل يُعقل أن تُعالج أعطاب هيكلية عبر مقاطعة ظرفية مرتبطة بموسم استهلاكي؟
المؤيدون يرون في المقاطعة سلاحاً فعالاً، مستندين إلى تجارب سابقة أثبت فيها الضغط الاستهلاكي قدرته على التأثير، لكن هذا الرهان يغفل حقيقة أن سوق اللحوم أكثر تعقيداً، يرتبط بسلاسل إنتاج طويلة، من المربين إلى الوسطاء وصولاً إلى نقط البيع، حيث تتداخل عوامل الكلفة، والندرة، والاحتكار، والطلب الموسمي، اختزال كل هذا في “لا تشتري” يبدو تبسيطاً مريحاً لكنه غير كافٍ.
في المقابل، يذهب المنتقدون إلى أن المقاطعة قد تُحدث ضجيجاً إعلامياً دون أثر مستدام، بل وقد تضر بحلقات ضعيفة في السلسلة، مثل صغار المربين والكسّابين، دون أن تمس فعلياً مراكز الربح الكبرى، وهو طرح يعيد النقاش إلى مربعه الأصلي: غياب تدخل مؤسساتي حازم يضبط الأسعار، ويكسر حلقات المضاربة، ويضمن شفافية السوق.
الأخطر أن هذه الحملات، مهما كانت نواياها، تُكرّس واقعاً مقلقاً: انتقال عبء الإصلاح من الدولة إلى المواطن، فبدل أن تكون هناك سياسات واضحة لضبط الأسعار، ومراقبة فعالة للأسواق، وتفعيل صارم لقوانين المنافسة، يجد المواطن نفسه مضطراً إلى خوض “معركة المقاطعة” كلما ارتفعت الأسعار.
ثم ماذا بعد عيد الأضحى؟ هل ستستمر المقاطعة؟ أم أنها مجرد رد فعل موسمي سرعان ما يخفت؟ التجربة تقول إن هذه الديناميات غالباً ما تكون ظرفية، بينما تبقى الأسباب العميقة قائمة، من ضعف التخزين، إلى غياب رؤية متكاملة لتنظيم سلاسل التوريد.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن حملة المقاطعة تعكس وعياً مجتمعياً متزايداً بحقوق المستهلك، لكنها في الوقت نفسه تفضح فراغاً مؤسساتياً واضحاً، فالسوق لا تُنظّم بالوسوم، والأسعار لا تُضبط بالغضب الرقمي، بل بسياسات عمومية واضحة، وإرادة حقيقية لفرض القانون.
وبين من يراهن على المقاطعة ومن يشكك في جدواها، يبقى السؤال الأهم معلقاً: لماذا يجد المواطن نفسه كل مرة مضطراً للبحث عن حلول بديلة، في غياب حلول رسمية؟
تعليقات الزوار