عمور تُجمّل الأرقام والميدان يفضح هشاشة الإصلاح ويضع قطاع السياحة خارج السيطرة

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، تعود وزارة السياحة إلى نفس الأسطوانة: “تحيين القوانين” و”مواكبة التحولات” و”تحسين الجودة”.
خطاب رسمي أعادت تقديمه وزيرة السياحة، فاطمة الزهراء عمور، وكأنه اكتشاف جديد، بينما الواقع يكشف أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد مراجعة نصوص قانونية فقدت فعاليتها منذ سنوات.
الوزيرة تتحدث بثقة عن ورش إصلاحي يشمل وكالات الأسفار، والإرشاد السياحي، والإيواء، لكن السؤال البديهي الذي يغيب عن هذا الخطاب: ماذا تغيّر فعلاً على الأرض؟ لأن الحقيقة التي يعرفها المهنيون جيداً هي أن القطاع يعيش حالة فوضى مقنّعة، حيث القوانين موجودة، نعم، لكنها بلا أثر، وبلا سلطة ردع حقيقية.
خذ مثال وكالات الأسفار، القانون 11.16 قُدّم كإطار حديث يواكب التحولات الرقمية، لكن الواقع يقول إن السوق موازية تُدير جزءاً مهماً من النشاط السياحي خارج أي رقابة، في وقت تكتفي فيه الإدارة بإصدار التراخيص ومراقبة الورق، تاركة الميدان لمنطق “من سبق لبق”، فهل هذا إصلاح أم إعادة ترتيب للفوضى؟
الأمر لا يختلف كثيراً في مجال الإرشاد السياحي، فقانون 05.12 يتحدث عن الجودة والتكوين والمعايير الدولية، لكن السائح الذي يزور المغرب قد يجد نفسه أمام “مرشد” بلا تكوين ولا ترخيص، في ظل غياب مراقبة حقيقية. هنا لا يتعلق الأمر بثغرة قانونية، بل بعجز واضح في فرض احترام القانون نفسه.
أما الإيواء السياحي، فالقانون 80.14 يبدو، على الورق، متقدماً ومنسجماً مع المعايير الدولية. لكن على أرض الواقع، انفجرت أشكال جديدة من الإيواء غير المهيكل، خاصة عبر المنصات الرقمية، دون أن تواكبها آليات ضبط فعالة. النتيجة: منافسة غير متكافئة، وخسائر ضريبية، وتشويه لصورة العرض السياحي الوطني.
المفارقة الصارخة في خطاب الوزيرة هي هذا الإصرار على ربط الإصلاح بالقوانين، وكأن المشكل يكمن في النصوص، لا في طريقة تدبيرها. والحقيقة أن المغرب لا يعاني من نقص في القوانين، بل من فائض فيها مقابل عجز في التطبيق. فكم من نص صدر بحماس… وانتهى حبيس الرفوف؟
ثم ماذا عن الحكامة؟ ماذا عن محاربة الريع داخل القطاع؟ ماذا عن شروط ولوج المهن التي لا تزال، في كثير من الحالات، محكومة بعلاقات أكثر من كفاءات؟ هذه الأسئلة الثقيلة تغيب تماماً عن خطاب “التحيين”، لأنها ببساطة تمس جوهر الإشكال، لا سطحه.
الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يُسوّق لوهم الإصلاح، ويمنح الانطباع بأن الأمور تحت السيطرة، بينما المؤشرات الميدانية تقول العكس، فالسياحة ليست مجرد أرقام للوافدين أو قوانين منشورة في الجريدة الرسمية، بل تجربة متكاملة تبدأ من جودة الخدمات وتنتهي بثقة الزبون.
في النهاية، يبدو أن ما تقدمه الوزارة اليوم ليس إصلاحاً، بل عملية تجميل قانوني لقطاع يعاني من أعطاب هيكلية عميقة، فالقوانين، مهما بلغت دقتها، لن تُصلح واقعاً تُديره عقلية قديمة، تفضل إصدار النصوص على مواجهة الاختلالات.

والخلاصة واضحة: قبل الحديث عن تحيين القوانين، كان الأجدر تحيين طريقة التفكير. لأن السياحة لا تحتاج إلى مزيد من النصوص… بل إلى إرادة حقيقية لتطبيقها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد