هبة زوم – محمد أمين
تعيش وجدة، حاضرة الشرق المغربي، على إيقاع مفارقة حادة بين نصوص القوانين وواقع الحياة اليومية. فمع تعثر الإجراءات الإدارية وضعف تطبيق التشريعات في المدينة وجهتها الشرقية، يطلّ “الاقتصاد غير الرسمي” كملاذ واقعي لمئات الآلاف من الأسر، ناسجًا شبكة معقدة من الأنشطة التي تدبّ في الأسواق والأزقة والأوراش بعيدًا عن أعين الضرائب والمراقبة.
في مشهد السوق الأسبوعي، يبرز البائع المتجول كرمز لهذا العالم الموازي؛ وإلى جانبه سائق “الخطافة” الذي ينقل الركاب خارج الأطر القانونية، والصانع التقليدي الذي يدير ورشة صغيرة بلا ترخيص، وعامل البناء الذي يجهل كل ما يتعلق بالتأمين الاجتماعي.
هؤلاء يشكّلون شريانًا اقتصاديًا نابضًا، غير مرئي في دفاتر المحاسبة الرسمية، لكنه يؤمن القوت اليومي لشرائح واسعة، ويمنح المدينة دينامية شعبية لا يمكن إنكارها.
غير أن التناقض في وجدة لا يقتصر على الاقتصاد وحده؛ فهناك وجه آخر للحياة غير الرسمية يتمثل في العلاقات الاجتماعية. ملفات إدارية تُحسم بـ”المعقول”، وظائف تُنتزع بتوصيات، نزاعات تُسوّى بكلمة من “فلان”، وشبكات غير مكتوبة تُعيد ترتيب موازين القوى بعيدًا عن النصوص الجامدة.
هذه الممارسات تعكس هشاشة الثقة في المؤسسات، لكنها تخلق في المقابل فضاءات تضامن غير رسمية بين الناس.
في قلب هذه المعادلة يعيش المواطن الوجدي بين خطّين متوازيين: رسمي مضبوط بالقوانين والضرائب والمؤسسات، وغير رسمي ينبض بالمرونة والعلاقات الشخصية و”البركة”.
هذه الازدواجية لم تعد مجرد استثناء أو تفصيل عابر، بل تحولت إلى جزء بنيوي من الحياة اليومية، يفرض منطقه الخاص ويعيد تعريف معنى “التعايش” مع الدولة.
ومع أن هذا “التوازن الهش” يمنح حلولاً عملية لأفراد وجدوا أنفسهم على هامش المنظومة الاقتصادية والإدارية، إلا أنه يحدّ من قدرة المدينة على بناء مؤسسات قوية وعادلة، ويترك المواطن معلّقًا بين قانون يبدو بعيدًا وواقع يفرض نفسه كل يوم.
يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تستطيع وجدة يومًا أن تردم الهوة بين الرسمي وغير الرسمي، وتفتح أفقًا لمواطنة كاملة الحقوق والواجبات؟ أم أن هذه الازدواجية ستظل “الطبيعة الثانية” لمجتمع يرفض الانصهار في قوالب جامدة، ويفضل البقاء في مساحة رمادية تُدار فيها الحياة بذكاء وحذر؟
تعليقات الزوار