وجدة في عهد العطفاوي: سوق مفتوح للخمر وشارع ضيق على المستهلكين

هبة زووم – وجدة
في وجدة، لم تعد قنينات الخمر سلعة تُباع في الخفاء أو تُتداول تحت الطاولة، بل تحولت إلى منتج معروض تحت أضواء النيون في الأسواق الممتازة، ومرصوص بعناية على رفوف متاجر معروفة، ومقدم بابتسامة رسمية في مطاعم مصنفة وحانات مرخصة.
مشهد يبدو عادياً لدرجة أن المستهلك لم يعد يشعر بأنه يقوم بفعل استثنائي، بل مجرد زبون في سوق مفتوح يؤدي ثمن سلعة ومعها ضرائب ثقيلة تنعش خزينة الدولة.
لكن هنا تبدأ المفارقة الصارخة التي تستحق الوقوف عندها طويلاً: السلطات التي تغض الطرف عن البيع، بل وتستفيد منه مالياً عبر الجبايات والضرائب، تعود لتشدد الخناق على الاستهلاك في لحظات معينة، وكأنها تقول للمواطن: “اشرب.. ولكن لا تدعنا نراك”.
والنتيجة؟ منطقة رمادية واسعة، لا هي حلال بالكامل، ولا هي ممنوعة بشكل صريح، بل مزيج سام من الترخيص الضمني والعقاب الانتقائي الذي يحول المواطن إلى فريسة سهلة في لعبة الكيل بمكيالين.
في عهد الوالي العطفاوي، يزداد هذا التناقض وضوحًا، حيث تحوّلت بعض محيطات الحانات إلى نقاط مراقبة غير معلنة، تُمارس فيها أشكال من “الترصّد الوقائي” الذي لا يستند دائمًا إلى مخالفات ثابتة، بل إلى تقديرات فضفاضة، قد تجعل من مجرد الخروج من مكان مرخص سببًا كافيًا للتوقيف.
الخطير في هذا الواقع، أنه يُفرغ القانون من جوهره، ويحوّله إلى أداة مرنة تُستعمل حسب السياق، بدل أن يكون مرجعًا واضحًا يُطبَّق على الجميع بنفس المعايير، فحين يصبح الاشتباه بديلاً عن الإثبات، ويتحول التوقيف إلى رد فعل شبه تلقائي، فإننا لا نكون أمام دولة قانون، بل أمام منطق تدبيري قائم على الاصطياد السريع.
الأكثر إثارة للسخرية السوداء، أن بعض الموقوفين – حسب روايات متداولة – لم يكونوا في حالة سكر، بل وجدوا أنفسهم ضحايا لمجرد تواجدهم في محيط “مشبوه”.
وفي هذا السياق، لا تعود الحقيقة مهمة، بل يكفي وجود محضر يُملأ، وعدد يُضاف إلى الإحصائيات، في مشهد يختزل أزمة أعمق تتعلق بكيفية فهم وتطبيق القانون.
هذه الازدواجية لا تسيء فقط إلى صورة المؤسسات، بل تخلق أيضًا حالة من فقدان الثقة، حيث يشعر المواطن بأنه محاصر بين خطاب رسمي يشرعن البيع، وممارسة ميدانية تُجرّم الاستهلاك بشكل انتقائي، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام سياسة واضحة، أم أمام تدبير رمادي يهدف إلى تحقيق التوازن على حساب وضوح القاعدة القانونية؟
إن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى تكريس الغموض، وتوسيع هامش التأويل، وفتح الباب أمام تجاوزات قد تمسّ الحقوق الفردية، فالقانون، لكي يكون عادلًا، يجب أن يكون واضحًا، لا أن يتحول إلى أداة تُطبَّق حينًا وتُعطَّل حينًا آخر.
في وجدة، المفارقة لم تعد خفية: سلعة تُباع بثقة، ومواطن يُلاحق بشك وبينهما، تضيع العدالة في تفاصيل التناقض.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد