هبة زووم – طه المنفلوطي
في مشهد صادم يعكس خللًا عميقًا في ثقافة التواصل داخل بعض المشاريع العمومية، وجد رجال الإعلام أنفسهم أمام رد غير مسؤول من طرف ممثل الشركة المشرفة على مشروع “غابة العرعار”، حين اختزل حقهم في الحصول على المعلومة في عبارة مقتضبة: “ما فيا لي يعطي شي تصريح… شوفو الطابلو!”.
عبارة قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها في العمق تكشف عن عقلية تدبيرية تستخف بدور الإعلام، وتتجاهل حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشروع بيئي رُصدت له ميزانية تقارب 13,9 مليون درهم، يفترض أن يخدم الساكنة ويعزز جودة عيشها.
ما حدث ليس مجرد زلة لسان أو سوء تقدير، بل مؤشر مقلق على غياب ثقافة الشفافية داخل أوراش عمومية يفترض أنها تُنجز باسم المواطن ولأجله.
فالإعلام، في مثل هذه الحالات، لا يؤدي دورًا ترفيهيًا أو فضوليًا، بل يمارس وظيفة رقابية أساسية، تنقل المعطيات وتفتح النقاش العمومي حول جدوى المشاريع ومآلاتها.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحكامة المعتمدة في تدبير هذا الورش: كيف يُدار مشروع بهذا الحجم دون استراتيجية تواصل واضحة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا “الصمت الرسمي” الذي يلف تفاصيله؟
إن الاكتفاء بإحالة الصحفيين على “لوحة” أو معطيات جامدة، بدل تقديم توضيحات دقيقة، يعكس تصورًا بدائيًا للتواصل، لا يرقى إلى مستوى انتظارات المواطنين ولا إلى معايير الحكامة الجيدة التي ترفعها المؤسسات الرسمية كشعار.
ثم إن المشروع، باعتباره فضاءً بيئيًا موجهاً للساكنة، يفرض انخراطًا تواصليًا دائمًا، يشرح أهدافه، مراحله، كلفته، وآثاره البيئية والاجتماعية. فالمعلومة هنا ليست امتيازًا تمنحه الجهة المشرفة متى شاءت، بل حق دستوري لا يقبل التجزيء أو الانتقاء.
ما يزيد من حدة الإشكال، هو أن مثل هذه الردود تسيء، بشكل غير مباشر، إلى صورة المؤسسات العمومية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، التي يُفترض أن تسهر على احترام قواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل مختلف المشاريع الترابية.
فالرسالة التي يبعث بها هذا الموقف سلبية بكل المقاييس: مشاريع بملايين الدراهم تُنجز في صمت، ومسؤولون يختبئون خلف جدران الصمت أو عبارات مستفزة، في وقت تتعالى فيه المطالب بضرورة تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون إعلام حر ومعلومة دقيقة، فالتواصل ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جوهر أي مشروع عمومي ناجح.
وأي إخلال به، هو في حد ذاته إخلال بثقة المواطنين، وتكريس لثقافة الغموض التي لم يعد لها مكان في مغرب اليوم.
تعليقات الزوار