هبة زووم – محمد أمين
في زمن تُصبح فيه العاصمة الشرقية عنواناً للوعود المؤجلة، والوالي الجديد مجرد اسم ينتظر منه المواطن فارقاً حقيقياً، تتحول وجدة من مدينة الهوية والتاريخ إلى نموذج صارخ للارتباك العمراني والشلل الخدماتي.
مشهد لا يُثير فقط استياء الساكنة، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كان المسؤول ينتظر ملفاً ساخناً ليتحرك، فكيف ننتظر منه استباقاً للأزمات؟ وأي حماية للملك العمومي هذه التي تسمح لفوضى الرصيف بأن تُغرق مدينة بأكملها في بحر من العبث اليومي والتدهور الممنهج؟
فبينما تمر أشهر على تعيين الوالي العطفاوي، لا يزال المواطن ينتظر إشارة واحدة تُغير واقع معيشته، سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر صمت المسؤولين بينما يُترك المواطن يتفرج على مدينته وهي تفقد هويتها؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل السلطة المحلية من حامية للمصلحة العامة إلى متفرجة على انتهاك القانون؟
فحين تتحول المساحة المشتركة إلى ساحة صراع، فإن أي مواطن يصبح ضحية لهذا العبث، فها هو التاجر يبسط سلعته على الرصيف، وها هو المقهى يمد كراسيه إلى الشارع، وها هو البائع المتجول يحتل ممرات المشاة، بينما تمر الكلاب الضالة والحمير والعربات المجرورة في نفس الفضاء الذي يفترض أن يكون آمناً للإنسان.
هذا الانزياح القيمي في تدبير المجال الحضري يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُفعّل دوريات المراقبة المستمرة لحماية الملك العمومي بينما تُترك المخالفات تتراكم يومياً؟ وأين هي الترسانة القانونية التي تمنع تحويل الرصيف من حق للمواطن إلى مغنم للمخالف؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في خطاب النظام بينما يجد العبث يُمارس أمام عينيه دون محاسبة؟
فتحويل المجال الحضري من فضاء مشترك إلى ساحة فوضى لا يُهدر فقط جمالية المدينة، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم السكوت على الفعل، والتبرير على المساءلة.
مدينة وجدة اليوم تعاني من حالة من الارتباك العمراني وتراجع خدمات النظافة، بسبب ما يصفه مراقبون بغياب رؤية متكاملة في تدبير الشأن المحلي، ورغم مرور وقت كافٍ منذ تعيين الوالي الجديد، لا يزال المواطن ينتظر خطة عاجلة تُعيد للمدينة بريقها.
هذا الجمود الملاحظ يطرح أسئلة محرجة: أين هي القائمة العلنية للمشاريع المستعجلة التي يُفترض أن تُعلنها الولاية للرأي العام؟ ولماذا لا تُصدر السلطات المحلية تقارير دورية حول تقدم أشغال النظافة وصيانة المرافق، بدلاً من الاكتفاء بوعود شفوية؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والسلطة بينما تُترك الشكايات المشروعة رهينة الروتين الإداري؟
فتحويل التدبير المحلي من فرصة إصلاح إلى ورشة انتظار لا يُهدر فقط فرص التطوير، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للمواطن إلى حاجز أمام حقوقه.
لقد انتظرت الساكنة كثيراً وعوداً تتعلق بتأهيل الأرصفة، تعزيز نظافة الأحياء، مكافحة الكلاب الضالة، وتنظيم الباعة المتجولين، لكن كل ما حصلت عليه هو المزيد من المعاناة مع أرصفة محتلة، نفايات متراكمة، ومشاهد فوضوية تُشوه صورة العاصمة الشرقية.
هذا الواقع المر أصبح يطرح إشكاليات بنيوية: لماذا لا تُعلن السلطات عن مخطط استعجالي لإعادة تأهيل الأرصفة وتنظيم الباعة في أماكن مخصصة؟ وأين هي لجان اليقظة الميدانية التي تضمن استمرارية النظافة ومكافحة الظواهر المشوهة للمجال الحضري؟ وكيف يمكن ضمان عدالة مجالية في الخدمات بين أحياء وجدة بينما تُترك بعض المناطق في عزلة خدماتية؟
فتحويل الخدمات الأساسية من حق دستوري إلى منحة انتقائية لا يُهدر فقط كرامة المواطنين، بل يُرسّخ ثقافة التمييز المجالي التي تُقدم مصالح ضيقة على حقوق عامة.
ممارسات تُشبه كثيراً ما يطلق عليه تدبير بالأزمة، حيث لا يتحرك المسؤول إلا حين تفجر الوضع، بينما يُترك المواطن يدفع ثمن التأخير يومياً، وهذا السياق المقلق يطرح سؤالاً وجودياً: هل تنتظر السلطات كارثة حقيقية لتتحرك، أم أن الوقاية أصبحت مجرد كلمة في خطاب؟
ما تعيشه وجدة مع ملف التدبير الحضري ليس خللاً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الانتظار لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحول الوعود من كلمات في خطاب إلى أشغال على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية وموارد مالية مُلتزمة ومساءلة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة الصمت التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لخدمة العامة إلى مغنم للتبرير وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على تنمية مدينتهم.
سكان وجدة ينتظرون، والهوية ليست شعاراً في خطاب والرصيف ليس فضاءً للمخالفات والمواطن ليس متفرجا على سياسات تُتخذ باسمه بينما يستمر في انتظار رصيف واحد يُحرر من العبث أو حي واحد يُنقذ من الفوضى، فالسلطة الثابتة ليست ضعفا والمسؤولية ليست انتظارا ووجدة تستحق مسؤولين يُكرمون كرامة مواطنيها بفعل ملموس لا بصمت مبرر.
تعليقات الزوار