بعد تجاهل الوزارة.. فنان مسرحي يلجأ إلى الملك لإنقاذ ما تبقى من كرامة الفنان المغربي

هبة زووم – الرباط
في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الثقافي بالمغرب، اختار الفنان المسرحي المخضرم محمد عنقاوي أن يوجه رسالة مفتوحة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بعدما أكد أن كل الأبواب التي طرقها لدى الجهات الوصية أغلقت في وجهه، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشراً على حجم الاختلالات التي باتت تطبع واقع المسرح المغربي، وعجز المؤسسات المعنية عن احتواء معاناة رواده.
الرسالة، التي حملت لغة مؤثرة ومشحونة بالألم، لم تكن مجرد تظلم شخصي لفنان بلغ السادسة والسبعين من عمره ويعاني من أمراض مزمنة، بقدر ما تحولت إلى شهادة قاسية على واقع يعيشه عدد كبير من الفنانين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الثقافة الوطنية، قبل أن يجدوا أنفسهم في خريف العمر يواجهون المرض والعوز والتهميش.
ويؤكد عنقاوي، الذي راكم عقوداً من العمل المسرحي والإنتاج الفني، أنه لم يلجأ مباشرة إلى المؤسسة الملكية، بل سبق أن راسل الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وطلب عقد لقاءات لعرض ما آل إليه المسرح الوطني، كما نشر رسائل مفتوحة عبر وسائل الإعلام، غير أن جميع تلك المبادرات، بحسب ما ورد في رسالته، لم تجد أي تفاعل يذكر، وهو ما دفعه إلى اعتبار أن باب الملك أصبح آخر أمل لإنصافه وإنصاف زملائه.
ولا تقف دلالات هذه الرسالة عند بعدها الإنساني، بل تفتح نقاشاً واسعاً حول السياسات العمومية الموجهة للقطاع الثقافي، ومدى قدرتها على حماية الفنانين الذين شكلوا لعقود جزءاً من الذاكرة الفنية للمغرب.
فمن غير المقبول، في نظر متتبعين، أن يتحول فنان ساهم في بناء الحركة المسرحية الوطنية إلى شخص يعجز عن توفير العلاج أو تأمين قوت أسرته، في وقت تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن تثمين الرأسمال الثقافي والإبداعي.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة محرجة حول الحماية الاجتماعية للفنانين، وآليات مواكبتهم بعد سنوات العطاء، ومدى نجاعة السياسات الثقافية في ضمان الحد الأدنى من الكرامة للعاملين في المجال الفني، خصوصاً أولئك الذين أفنوا أعمارهم فوق خشبات المسارح دون أن يجنوا من عطائهم ما يؤمن لهم حياة كريمة بعد التقاعد أو المرض.
ويرى متابعون أن الرسالة تكشف أيضاً عن أزمة تواصل حقيقية بين الوزارة الوصية ومكونات القطاع، إذ إن وصول فنان مخضرم إلى مرحلة مخاطبة المؤسسة الملكية بعد استنفاد مختلف قنوات الحوار يعكس، وفق هؤلاء، خللاً في آليات الإنصات والتفاعل مع مطالب المهنيين، ويطرح علامات استفهام حول فعالية المؤسسات المكلفة بتدبير الشأن الثقافي.
ويؤكد مهنيون أن الأزمة لم تعد ترتبط فقط بندرة الإنتاج المسرحي أو محدودية الدعم، بل أصبحت تمس جوهر السياسات الثقافية، التي يفترض أن تضمن للفنان ظروفاً تحفظ كرامته خلال مسيرته المهنية وبعدها.
فتكريم الفنان لا ينبغي أن يظل مقتصراً على المهرجانات أو حفلات الاحتفاء، بل يجب أن يترجم إلى منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتقاعد، بما يليق بمن ساهموا في صناعة الوعي والإبداع الوطني.
رسالة محمد عنقاوي ليست، في نهاية المطاف، مجرد صرخة فردية، بل هي جرس إنذار يكشف هشاشة واقع يعيشه عدد من الفنانين المغاربة، وإذا كانت مثل هذه الرسائل تصل إلى أعلى سلطة في البلاد طلباً للإنصاف، فإن ذلك يضع القطاع الثقافي برمته أمام مراجعة حقيقية، ويستدعي من الجهات الوصية الوقوف بجدية عند الأسباب التي جعلت رواد المسرح يشعرون بأن أصواتهم لم تعد تجد من يصغي إليها داخل المؤسسات المكلفة بتدبير شؤونهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد